الغزالي
287
إحياء علوم الدين
ولسانه يتحرك بحكم العادة ، فما أبعد هذا عن المقصود بالصلاة التي شرعت لتصقيل القلب وتجديد ذكر الله عز وجل ورسوخ عقد الإيمان به : هذا حكم القراءة والذكر وبالجملة فهذه الخاصية لا سبيل إلى إنكارها في النطق وتمييزها عن الفعل وأما الركوع والسجود فالمقصود بهما التعظيم قطعا ، ولو جاز أن يكون معظما لله عز وجل بفعله وهو غافل عنه لجاز أن يكون معظما لصنم موضوع بين يديه وهو غافل عنه أو يكون معظما للحائط الذي بين يديه وهو غافل عنه ، وإذا خرج عن كونه تعظيما لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس ، وليس فيه من المشقة ما يقصد الامتحان به ثم يجعله عماد الدين والفاصل بين الكفر والإسلام ويقدم على الحج وسائر العبادات ، ويجب القتل بسبب تركه على الخصوص وما أرى أن هذه العظمة كلها للصلاة من حيث أعمالها الظاهرة إلا أن يضاف إليها مقصود المناجاة ، فإن ذلك يتقدم على الصوم والزكاة والحج وغيره ، بل الضحايا والقرابين التي هي مجاهدة للنفس بتنقيص المال ، قال الله تعالى : * ( لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها ولا دِماؤُها ولكِنْ يَنالُه التَّقْوى مِنْكُمْ ) * « 1 » أي الصفة التي استولت على القلب حتى حملته على امتثال الأوامر هي المطلوبة ، فكيف الأمر في الصلاة ولا أرب في أفعالها ؟ فهذا ما يدل من حيث المعنى على اشتراط حضور القلب فإن قلت : إن حكمت ببطلان الصلاة وجعلت حضور القلب شرطا في صحتها خالفت إجماع الفقهاء ، فإنهم لم يشترطوا إلا حضور القلب عند التكبير فاعلم أنه قد تقدم في كتاب العلم أن الفقهاء لا يتصرفون في الباطن ولا يشقون عن القلوب ولا في طريق الآخرة ، بل يبنون ظاهر أحكام الدين على ظاهر أعمال الجوارح ، وظاهر الأعمال كاف لسقوط القتل وتعزير السلطان ، فأما أنه ينفع في الآخرة فليس هذا من حدود الفقه . على أنه لا يمكن أن يدعى الإجماع ، فقد نقل عن بشر بن الحارث فيما رواه عنه أبو طالب المكي عن سفيان الثوري أنه قال : من لم يخشع فسدت صلاته . وروى
--> « 1 » الحج : 37