الغزالي
288
إحياء علوم الدين
عن الحسن أنه قال : كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع . وعن معاذ ابن جبل : من عرف من على يمينه وشماله متعمدا وهو في الصلاة فلا صلاة له وروى أيضا مسندا قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم : [ 1 ] « إنّ العبد ليصلَّى الصّلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها وإنّما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها » وهذا لو نقل عن غيره لجعل مذهبا فكيف لا يتمسك به . وقال عبد الواحد بن زيد : أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها . فجعله إجماعا . وما نقل من هذا الجنس عن الفقهاء المتورعين وعن علماء الآخرة أكثر من أن يحصى . والحق الرجوع إلى أدلة الشرع ، والأخبار والآثار ظاهرة في هذا الشرط ، إلا أن مقام الفتوى في التكليف الظاهر يتقدر بقدر قصور الخلق ، فلا يمكن أن يشترط على الناس إحضار القلب في جميع الصلاة ، فإن ذلك يعجز عنه كل البشر إلا الأقلين . وإذا لم يمكن اشتراط الاستيعاب للضرورة فلا مرد له ، إلا أن يشترط منه ما ينطلق عليه الاسم ولو في اللحظة الواحدة ، وأولى اللحظات به لحظة التكبير ، فاقتصرنا على التكليف بذلك ونحن مع ذلك نرجو أن لا يكون حال الغافل في جميع صلاته مثل حال التارك بالكلية ، فإنه على الجملة أقدم على الفعل ظاهرا وأحضر القلب لحظة ، وكيف لا والذي صلى مع الحدث ناسيا صلاته باطلة عند الله تعالى ولكن له أجر ما بحسب فعله وعلى قدر قصوره وعذره ، ومع هذا الرجاء فيخشى أن يكون حاله أشد من حال التارك وكيف لا والذي يحضر الخدمة ويتهاون بالحضرة ويتكلم بكلام الغافل المستحقر أشد حالا من الذي يعرض عن الخدمة . وإذا تعارض أسباب الخوف والرجاء وصار الأمر مخطرا في نفسه فإليك الخيرة بعده في الاحتياط والتساهل ، ومع هذا فلا مطمع في مخالفة الفقهاء فيما أفتوا به من الصحة مع الغفلة ، فإن ذلك من ضرورة الفتوى كما سبق التنبيه عليه . ومن عرف سر الصلاة علم أن الغفلة تضادها ، ولكن قد ذكرنا في باب الفرق بين العلم الباطن والظاهر في كتاب قواعد العقائد أن قصور الخلق أحد الأسباب المانعة عن التصريح بكل ما ينكشف من أسرار الشرع