الغزالي
284
إحياء علوم الدين
فروحها وحياتها الباطنة الخشوع والنية وحضور القلب والإخلاص كما سيأتي ونحن الآن في أجزائها الظاهرة ، فالركوع والسجود والقيام وسائر الأركان تجرى منها مجرى القلب والرأس والكبد ، إذ يفوت وجود الصلاة بفواتها ، والسنن التي ذكرناها من رفع اليدين ودعاء الاستفتاح والتشهد الأول تجرى منها مجرى اليدين والعينين والرجلين ولا تفوت الصحة بفواتها كما لا تفوت الحياة بفوات هذه الأعضاء ، ولكن يصير الشخص بسبب فواتها مشوه الخلقة مذموما غير مرغوب فيه ، فكذلك من اقتصر على أقل ما يجرى من الصلاة كان كمن أهدى إلى ملك من الملوك عبدا حيا مقطوع الأطراف وأما الهيئات وهي ما وراء السنن فتجرى مجرى أسباب الحسن من الحاجبين واللحية والأهداب وحسن اللون وأما وظائف الأذكار في تلك السنن فهي مكملات للحسن كاستقواس الحاجبين واستدارة اللحية وغيرها ، فالصلاة عندك قربة وتحفة تتقرب بها إلى حضرة ملك الملوك كوصيفة يهديها طالب القربة من السلاطين إليهم ، وهذه التحفة تعرض على الله عز وجل ثم ترد عليك يوم العرض الأكبر ، فإليك الخيرة في تحسين صورتها وتقبيحها ، فان أحسنت فلنفسك وان أسأت فعليها ، ولا ينبغي أن يكون حظك من ممارسة الفقه أن يتميز لك السنة عن الفرض فلا يعلق بفهمك من أوصاف السنة الا أنه يجوز تركها فتتركها ، فان ذلك يضاهي قول الطبيب : إن فقء العين لا يبطل وجود الإنسان ولكن يخرجه عن أن يصدق رجاء المتقرب في قبول السلطان إذا أخرجه في معرض الهدية ، فهكذا ينبغي أن تفهم مراتب السنن والهيئات والآداب ، فكل صلاة لم يتم الإنسان ركوعها وسجودها فهي الخصم الأول على صاحبها ، تقول ضيعك الله كما ضيعتني . فطالع الاخبار التي أوردناها في كمال أركان الصلاة ليظهر لك وقعها