الغزالي
283
إحياء علوم الدين
وأما الأذكار فكلها لا تقتضي سجود السهو إلا ثلاثة : القنوت ، والتشهد الأوّل ، والصلاة على النبي صلَّى الله عليه وسلم فيه ، بخلاف تكبيرات الانتقالات وأذكار الركوع والسجود والاعتدال عنهما ، لأن الركوع والسجود في صورتهما مخالفان للعادة ويحصل بهما معنى العبادة مع السكوت عن الأذكار وعن تكبيرات الانتقالات ، فعدم تلك الأذكار لا تغير صورة العبادة وأما الجلسة للتشهد الأول ففعل معتاد وما زيدت إلا للتشهد ، فتركها ظاهر التأثير . وأما دعاء الاستفتاح والسورة فتركهما لا يؤثر مع أن القيام صار معمورا بالفاتحة ومميزا عن العادة بها . وكذلك الدعاء في التشهد الأخير والقنوت أبعد ما يجبر بالسجود ، ولكن شرع مدّ الاعتدال في الصبح لأجله ، فكان كمد جلسة الاستراحة ، إذ صارت بالمد مع التشهد جلسة للتشهد الأوّل فبقي هذا قياما ممدودا معتادا ليس فيه ذكر واجب ، وفي الممدود احتراز عن غير الصبح ، وفي خلوه عن ذكر واجب احتراز عن أصل القيام في الصلاة فان قلت : تمييز السنن عن الفرائض معقول إذ تفوت الصحة بفوت الفرض دون السنة ويتوجه العقاب به دونها ، فأما تمييز سنة عن سنة والكل مأمور به على سبيل الاستحباب ولا عقاب في ترك الكل والثواب موجود على الكل فما معناه ؟ فاعلم أن اشتراكهما في الثواب والعقاب والاستحباب لا يرفع تفاوتهما ولنكشف ذلك لك بمثال ، وهو : أن الإنسان لا يكون إنسانا موجودا كاملا إلا بمعنى باطن وأعضاء ظاهرة ، فالمعنى الباطن هو الحياة والروح ، والظاهر أجسام أعضائه ، ثم بعض تلك الأعضاء ينعدم الإنسان بعدمها كالقلب والكبد والدماغ وكل عضو تفوت الحياة بفواته ، وبعضها لا تفوت بها الحياة ولكن يفوت بها مقاصد الحياة كالعين واليد والرجل واللسان ، وبعضها لا يفوت بها الحياة ولا مقاصدها ولكن يفوت بها الحسن كالحاجبين واللحية والأهداب وحسن اللون ، وبعضها لا يفوت بها أصل الجمال ولكن كماله كاستقواس الحاجبين وسواد شعر اللحية والأهداب وتناسب خلقة الأعضاء وامتزاج الحمرة بالبياض في اللون . فهذه درجات متفاوتة . فكذلك العبادة صورة صورها الشرع وتعبدنا باكتسابها .