الغزالي
200
إحياء علوم الدين
الأصل الثاني « سؤال منكر ونكير » [ 1 ] وقد وردت به الأخبار ، فيجب التصديق به ، لأنه ممكن ، إذ ليس يستدعى إلا إعادة الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به فهم الخطاب ، وذلك ممكن في نفسه ، ولا يدفع ذلك ما يشاهد من سكون أجزاء الميت وعدم سماعنا للسؤال له ، فان النائم ساكن بظاهره ويدرك بباطنه من الآلام واللذات ما يحس بتأثيره عند التنبه ، وقد كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « يسمع كلام جبريل عليه السّلام ويشاهده ومن حوله لا يسمعونه ولا يرونه ولا يحيطون بشيء من علمه إلَّا بما شاء » فإذا لم يخلق لهم السمع والرؤية لم يدركوه الأصل الثالث « عذاب القبر » وقد ورد الشرع به قال الله تعالى [ 2 ] * ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ) واشتهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح الاستعاذة من عذاب القبر [ 3 ] ، وهو ممكن ، فيجب التصديق به ، ولا يمنع من التصديق الصالح به تفرق أجزاء الميت في بطون السباع وحواصل الطيور ، فان المدرك لألم العذاب من الحيوان أجزاء مخصوصة يقدر الله تعالى على إعادة الإدراك إليها الأصل الرابع الميزان ، وهو حق ، قال الله تعالى : * ( ونَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) * . وقال تعالى : * ( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُه فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . ومن خَفَّتْ مَوازِينُه ) * الآية . ووجهه أن الله تعالى يحدث في صحائف الأعمال وزنا بحسب درجات الأعمال عند الله تعالى ، فتصير مقادير أعمال العباد معلومة للعباد ، حتى يظهر لهم العدل في العقاب ، أو الفضل في العفو وتضعيف الثواب