الغزالي
254
إحياء علوم الدين
قال صلَّى الله عليه وسلم : لأم عطية وكانت تخفض : « يا أمّ عطيّة أشمّى ولا تنهكي [ 1 ] فإنّه أسرى للوجه وأحظى عند الزّوج » أي أكثر لماء الوجه ودمه ، وأحسن في جماعها . فانظر إلى جزالة لفظه صلَّى الله عليه وسلم في الكناية ، وإلى إشراق نور النبوة من مصالح الآخرة التي هي أهم مقاصد النبوة إلى مصالح الدنيا ، حتى انكشف له وهو أمي من هذا الأمر النازل قدره ما لو وقعت الغفلة عنه خيف ضرره ، فسبحان من أرسله رحمة للعالمين ، ليجمع لهم بيمن بعثته مصالح الدنيا والدين صلَّى الله عليه وسلم الثامنة : ما طال من اللحية . وإنما أخرناها لنلحق بها ما في اللحية من السنن والبدع ، إذ هذا أقرب موضع يليق به ذكرها : وقد اختلفوا فيما طال منها : فقيل : ان قبض الرجل على لحيته وأخذ ما فضل عن القبضة فلا بأس ، فقد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين ، واستحسنه الشعبي وابن سيرين ، وكرهه الحسن وقتادة ، وقالا : تركها عافية أحب ، لقوله صلى الله عليه وسلم « أعفوا اللَّحى » والأمر في هذا قريب إن لم ينته إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب ، فإن الطول المفرط قد يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنبذ إليه ، فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النية : وقال النخعي : عجبت لرجل عافل طويل اللحية كيف لا يأخذ من لحيته ويجعلها بين لحيتين ، فإن التوسط في كل شيء حسن ، ولذلك قيل : كلما طالت اللحية تشمر العقل فصل وفي اللحية عشر خصال مكروهة ، وبعضها أشد كراهة من بعض . خضابها بالسواد ، وتبييضها بالكبريت ، ونتفها ، ونتف الشيب منها ، والنقصان منها ، والزيادة فيها ، وتسريحها تصنعا لأجل الرياء ، وتركها شعثة إظهارا للزهد ، والنظر إلى سوادها عجبا بالشباب ، وإلى بياضها تكبرا بعلوا السن ، وخضابها بالحمرة والصفرة من غير نية تشبها بالصالحين أما الأول وهو الخضاب بالسواد . فهو منهي عنه لقوله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « خير شبابكم من تشبّه بشيوخكم وشرّ شيوخكم من تشبّه بشبابكم » والمراد بالتشبه بالشيوخ