الغزالي

253

إحياء علوم الدين

فعل العبد من مناسبة لوصف من أوصاف الله تعالى ، ولذلك استحب الإيتار في الاستجمار ، وإنما لم يقتصر على الثلاث وهو وتر لأن اليسرى لا يخصها إلا واحدة . والغالب أن الواحدة لا تستوعب أصول الأجفان بالكحل ، وإنما خصص اليمين بالثلاث لأن التفضيل لا بد منه للإبتار واليمين أفضل فهي بالزيادة أحق فإن قلت : فلم اقتصر على اثنين لليسرى وهي زوج ؟ فالجواب أن ذلك ضرورة ، إذ لو جعل لكل واحدة وترا كان المجموع زوجا ، إذ الوتر مع الوتر زوج ، ورعايته الإيتار في مجموع الفعل وهو في حكم الخصلة الواحدة أحب من رعايته في الآحاد ، ولذلك أيضا وجه ، « وهو أن يكتحل في كلّ واحدة ثلاثا » على قياس الوضوء ، وقد نقل ذلك في الصحيح [ 3 ] وهو الأولى . ولو ذهبت أستقصى دقائق ما راعاه صلَّى الله عليه وسلم في حركاته لطال الأمر ، فقس بما سمعته ما لم تسمعه واعلم أن العالم لا يكون وارثا للنبي صلَّى الله عليه وسلم إلا إذا اطلع على جميع معاني الشريعة ، حتى لا يكون بينه وبين النبي صلَّى الله عليه وسلم إلا درجة واحدة ، وهي درجة النبوة ، وهي الدرجة الفارقة بين الوارث والموروث ، إذ الموروث هو الذي حصل المال له واشتغل بتحصيله واقتدر عليه ، والوارث هو الذي لم يحصل ولم يقدر عليه ولكن انتقل إليه وتلقاه منه بعد حصوله له ، فأمثال هذه المعاني مع سهولة أمرها بالإضافة إلى الأغوار والأسرار لا يستقل بدركها ابتداء إلا الأنبياء ، ولا يستقل باستنباطها تلقيا بعد تنبيه الأنبياء عليها إلا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء عليهم السلام السادس والسابع : زيادة السرة وقلفة الحشفة . أما السرة فتقطع في أول الولادة ، وأما التطهير بالختان فعادة اليهود في اليوم السابع من الولادة ومخالفتهم بالتأخير إلى أن يثغر الولد أحب وأبعد عن الخطر ، قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « الختان سنّة للرّجال ومكرمة للنّساء [ 2 ] » وينبغي أن لا يبالغ في خفض المرأة