الغزالي

252

إحياء علوم الدين

بخنصر اليسرى ، والختم بإبهامها ، ويبقى إبهام اليمنى فيختم به التقليم . وإنما قدرت الكف موضوعة على الكف حتى تصير الأصابع كأشخاص في حلقة ليظهر ترتيبها ، وتقدير ذلك أولى من تقدير وضع الكف على ظهر الكف ، أو وضع ظهر الكف على ظهر الكف ، فإن ذلك لا يقتضيه الطبع . وأما أصابع الرجل فالأولى عندي أن لم يثبت فيها نقل ، أن يبدأ بخنصر اليمنى ، ويختم بخنصر اليسرى كما في التخليل ، فإن المعاني التي ذكرناها في اليد لا تتجه هاهنا إذ لا مسبحة في الرجل ، وهذه الأصابع في حكم صف واحد ثابت على الأرض ، فيبدأ من جانب اليمنى ، فإن تقديرها حلقة بوضع الأخمص على الأخمص يأباه الطبع بخلاف اليدين . وهذه الدقائق في الترتيب تنكشف بنور النبوّة في لحظة واحدة ، وإنما يطول التعب علينا . ثم لو سئلنا ابتداء عن الترتيب في ذلك ربما لم يخطر لنا ، وإذا ذكرنا فعله صلَّى الله عليه وسلم وترتيبه ربما تيسر لنا بما عاينه صلَّى الله عليه وسلم بشهادة الحكم وتنبيهه على المعنى استنباط المعنى ولا تظنن أن أفعاله صلَّى الله عليه وسلم في جميع حركاته كانت خارجة عن وزن وقانون وترتيب ، بل جميع الأمور الاختيارية التي ذكرناها يتردد فيها الفاعل بين قسمين أو أقسام ، كأن لا يقدم على واحد معين بالاتفاق ، بل بمعنى يقتضي الاقدام والتقديم ، فان الاسترسال مهملا كما يتفق سجية البهائم ، وضبط الحركات بموازين المعاني سجية أولياء الله تعالى . وكلما كانت حركات الإنسان وخطراته إلى الضبط أقرب ، وعن الإهمال وتركه سدى أبعد ، كانت مرتبته إلى رتبه الأنبياء والأولياء أكثر ، وكان قربه من الله عز وجل أظهر ، إذ القريب من النبي صلَّى الله عليه وسلم هو القريب من الله عز وجل ، والقريب من الله لا بد أن يكون قريبا ، فالقريب من القريب قرب بالإضافة إلى غيره . فنعوذ با لله أن يكون زمام حركاتنا وسكناتنا في يد الشيطان بواسطة الهوى واعتبر في ضبط الحركات باكتحاله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « فإنّه كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاثا ، وفي اليسرى اثنين فيبدأ باليمنى لشرفها » وتفاوته بين العينين لتكون الجملة وترا ، فإن للوتر فضلا عن الزوج ، فإن الله سبحانه وتر يحب الوتر ، فلا ينبغي أن يخلو