الغزالي

195

إحياء علوم الدين

الأصل الرابع أن الله تعالى متفضل بالخلق والاختراع ، ومتطوّل بتكليف العباد ، ولم يكن الخلق والتكليف واجبا عليه . وقالت المعتزلة : وجب عليه ذلك لما فيه من مصلحة العباد ، وهو محال ، إذ هو الموجب والآمر والناهي ، وكيف يتهدف لإيجاب أو يتعرض للزوم وخطاب ؟ والمراد بالواجب أحد أمرين : إما الفعل الذي في تركه ضرر . إما آجل كما يقال : يجب على العبد أن يطيع الله حتى لا يعذبه في الآخرة بالنار ، أو ضرر عاجل كما يقال : يجب على العطشان أن يشرب حتى لا يموت ، وإما أن يراد به الذي يؤدى عدمه إلى محال ، كما يقال : وجود المعلوم واجب ، إذ عدمه يؤدى إلى محال وهو أن يصير العلم جهلا ، فان أراد الخصم بأن الخلق واجب على الله بالمعنى الأول فقد عرضه للضرر ، وأن أراد به المعنى الثاني فهو مسلَّم ، إذ بعد سبق العلم لا بد من وجود المعلوم . وإن أراد به معنى ثالثا فهو غير مفهوم . وقوله : يجب لمصلحة عباده ، كلام فاسد ، فإنه إذا لم يتضرر بترك مصلحة العباد لم يكن للوجوب في حقه معنى . ثم إن مصلحة العباد في أن يخلقهم في الجنة ، فأما أن يخلقهم في دار البلايا ويعرضهم للخطايا ثم يهدفهم لخطر العقاب وهول العرض والحساب ، فما في ذلك غبطة عند ذوي الألباب الأصل الخامس أنه يجوز على الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه ، خلافا للمعتزلة ، ولو لم يجز ذلك لاستحال سؤال دفعه ، وقد سألوا ذلك فقالوا : * ( رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا به ) * ولأن الله تعالى أخبر نبيه صلَّى الله عليه وسلم بأن أبا جهل لا يصدّقه ثم أمره بأن يأمره بأن يصدّقه في جميع أقواله ، وكان من جملة أقواله أنه لا يصدقه ، فكيف يصدقه في أنه لا يصدقه ؟ وهل هذا الامحال وجوده ؟ الأصل السادس أن لله عز وجل إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق ، ومن غير ثواب لا حق ، خلافا للمعتزلة ، لأنه متصرف في ملكه ، ولا يتصوّر أن يعدو تصرفه ملكه ، والظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه ، وهو محال على الله تعالى ، فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ظلما . ويدل على جواز ذلك وجوده ، فان ذبح البهائم إيلام لها ، وما صب عليها من أنواع العذاب من جهة الآدميين لم يتقدمها جريمة