الغزالي
196
إحياء علوم الدين
فإن قيل : إن الله تعالى يحشرها ويجازيها على قدر ما قاسته من الآلام ، ويجب ذلك على الله سبحانه فنقول : من زعم أنه يجب على الله إحياء كل نملة وطئت ، وكل بقة عركت حتى يثيبها على آلامها ، فقد خرج عن الشرع والعقل ، إذ يقال : وصف الثواب والحشر بكونه واجبا عليه إن كان المراد به أنه يتضرر بتركه ، فهو محال ، وإن أريد به غيره فقد سبق أنه غير مفهوم إذا خرج عن المعاني المذكورة للواجب الأصل السابع أنه تعالى يفعل بعباده ما يشاء ، فلا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده لما ذكرناه من أنه لا يجب عليه سبحانه شيء ، بل لا يعقل في حقه الوجوب ، فإنه * ( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ ) * . وليت شعري بما يجيب المعتزلي في قوله : إن الأصلح واجب عليه في مسألة نعرضها عليه ، وهو أن يفرض مناظرة في الآخرة بين صبي وبين بالغ ماتا مسلمين فإن الله سبحانه يزيد في درجات البالغ ويفضله عن الصبي لأنه تعب بالايمان والطاعات بعد البلوغ ، ويجب عليه ذلك عند المعتزلي ، فلو قال الصبي : يا رب لم رفعت منزلته علي ؟ فيقول : لأنه بلغ واجتهد في الطاعات ويقول الصبي : أنت أمتنى في الصبا فكان يجب عليك أن تديم حياتي حتى أبلغ فأجتهد فقد عدلت عن العدل في التفضيل عليه بطول العمر له دوني فلم فضلته ؟ فيقول الله تعالى : لأني علمت أنك لو بلغت لأشركت أو عصيت فكان الأصلح لك الموت في الصبا . هذا عذر المعتزلي عن الله عز وجل ، وعند هذا ينادى الكفار من دركات لظى ويقولون : يا رب أما علمت أننا إذا بلغنا أشركنا فهلا أمتنا في الصبا فانا رضينا بما دون منزلة الصبي المسلم : فبما ذا يجاب عن ذلك ؟ وهل يجب عند هذا إلا القطع بأن الأمور الإلهية تتعالى بحكم الجلال عن أن توزن بميزان أهل الاعتزال فان قيل : مهما قدر على رعاية الأصلح للعباد ثم سلط عليهم أسباب العذاب كان ذلك قبيحا لا يليق بالحكمة قلنا : القبيح ما لا يوافق الغرض ، حتى إنه قد يكون الشيء قبيحا عند شخص حسنا عند غيره إذا وافق غرض أحدهما دون الآخر ، حتى يستقبح قتل الشخص أولياؤه ويستحسنه