الغزالي

211

إحياء علوم الدين

الشأن في فهمه ، وفيه دليل على أن العمل ليس من أجزاء الايمان وأركان وجوده ، بل هو مريد على يزيد به ، والزائد موجود ، والناقص موجود ، والشيء لا يزيد بذاته ، فلا يجوز أن يقال : الإنسان يزيد برأسه ، بل يقال : يزيد بلحيته وسمنه ، ولا يجوز أن يقال : الصلاة تزيد بالركوع والسجود ، بل تزيد بالآداب والسنن . فهذا تصريح بان الإيمان له وجود ، ثم بعد الوجود يختلف حاله بالزيادة والنقصان فان قلت : فالإشكال قائم في أن التصديق كيف يزيد وينقص وهو خصلة واحدة ؟ فأقول : إذا تركنا المداهنة ولم نكترث بتشغيب من تشغب وكشفنا الغطاء ارتفع الأشكال فنقول : الإيمان اسم مشترك يطلق من ثلاثة أوجه الأول - أنه يطلق للتصديق بالقلب على سبيل الاعتقاد والتقليد من غير كشف وانشراح صدر ، وهو إيمان العوام ، بل إيمان الخلق كلهم إلا الخواص . وهذا الاعتقاد عقدة على القلب ، تارة تشتد وتقوى ، وتارة تضعف وتسترخي ، كالعقدة على الخيط مثلا ، ولا تستبعد هذا ، واعتبره باليهودي وصلابته في عقيدته التي لا يمكن نزوعه عنها بتخويف وتحذير ، ولا بتخييل ووعظ ، ولا تحقيق وبرهان . وكذلك النصراني والمبتدعة ، وفيهم من يمكن تشكيكه بأدنى كلام ، ويمكن استنزاله عن اعتقاده بأدنى استمالة أو تخويف ، مع أنه غير شاك في عقده كالأوّل ولكنهما متفاوتان في شدة التصميم . وهذا موجود في الاعتقاد الحق أيضا . والعمل يؤثر في نماء هذا التصميم وزيادته ، كما يؤثّر سقى الماء في نماء الأشجار . ولذلك قال تعالى : * ( فَزادَتْهُمْ إِيماناً ) * وقال تعالى : * ( لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ ) * . وقال صلَّى الله عليه وسلم : فيما يروى في بعض الأخبار [ 1 ] « الإيمان يزيد وينقص » وذلك بتأثير الطاعات في القلب ، وهذا لا يدركه إلا من راقب أحوال نفسه في أوقات المواظبة على العبادة والتجرد لها بحضور القلب مع أوقات الفتور وإدراك التفاوت في السكون إلى عقائد الايمان في هذه الأحوال حتى يزيد عقده استعصاء على من يريد حله بالتشكيك ، بل من يعتقد في اليتيم معنى الرحمة إذا عمل