الغزالي

308

إحياء علوم الدين

ومشى ذات يوم مع ابن مسعود في الحدادين فلما نظر إلى الأكوار تنفخ وإلى النار تلتهب ، صعق وسقط مغشيا عليه . وقعد ابن مسعود عند رأسه إلى وقت الصلاة فلم يفق ، فحمله على ظهره إلى منزله ، فلم يزل مغشيا عليه إلى مثل الساعة التي صعق فيها ، ففاتته خمس صلوات وابن مسعود عند رأسه يقول : هذا والله هو الخوف . وكان الربيع يقول : ما دخلت في صلاة قط فأهمنى فيها إلا ما أقول وما يقال لي وكان عامر بن عبد الله من خاشعى المصلَّين ، وكان إذا صلَّى ربما ضربت ابنته بالدف وتحدّث النساء بما يردن في البيت ، ولم يكن يسمع ذلك ولا يعقله . وقيل له ذات يوم : هل تحدثك نفسك في الصلاة بشيء ؟ قال نعم بوقوفي بين يدي الله عز وجل ومنصرفي إلى إحدى الدارين . قيل : فهل تجد شيئا مما نجد من أمور الدنيا ؟ فقال : لأن تختلف الأسنة فىّ أحب إلىّ من أن أجد في صلاتي ما تجدون . وكان يقول : لو كشف الغظاء ما ازددت يقينا . وقد كان مسلم بن يسار منهم وقد نقلنا أنه لم يشعر بسقوط أسطوانة في المسجد وهو في الصلاة . وتأكل طرف من أطراف بعضهم واحتيج فيه إلى القطع فلم يمكن منه فقيل : إنه في الصلاة لا يحس بما يجري عليه فقطع وهو في الصلاة وقال بعضهم : الصلاة من الآخرة فإذا دخلت فيها خرجت من الدنيا . وقيل لآخر : هل تحدث نفسك بشيء من الدنيا في الصلاة ؟ فقال : لا في الصلاة ولا في غيرها . وسئل بعضهم هل تذكر في الصلاة شيئا ؟ فقال : وهل شيء أحب إلىّ من الصلاة فأذكره فيها . وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول : من فقه الرجل أن يبدأ بحاجته قبل دخوله في الصلاة ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ . كان بعضهم يخفف الصلاة خيفة الوسواس . وروى : أن [ 1 ] عمّار بن ياسر صلَّى صلاتا فأخفّها ، فقيل له : خفّفت يا أبا اليقظان . فقال : هل رأيتموني نقصت من حدودها شيئا ؟ قالوا لا قال : إنّي بادرت سهو الشيطان ، إن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم قال « إنّ العبد ليصلَّي الصّلاة لا يكتب له نصفها ولا ثلثها ولا ربعها ولا خمسها ولا سدسها ولا عشرها » وكان يقول : إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها