الغزالي

305

إحياء علوم الدين

واعلم أن تخليص الصلاة عن الآفات ، وإخلاصها لوجه الله عز وجل ، وأداءها بالشروط الباطنة التي ذكرناها من الخشوع والتعظيم والحياء سبب لحصول أنوار في القلب تكون تلك الأنوار مفاتيح علوم المكاشفة . فأولياء الله المكاشفون بملكوت السماوات والأرض وأسرار الربوبية إنما يكاشفون في الصلاة ، لا سيما في السجود إذ يتقرب العبد من ربه عز وجل بالسجود ، ولذلك قال تعالى : * ( واسْجُدْ واقْتَرِبْ ) * « 1 » وإنما تكون مكاشفة كل مصل على قدر صفاته عن كدورات الدنيا . ويختلف ذلك بالقوة والضعف والقلة والكثرة ، وبالجلاء والخفاء ، حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه ، وينكشف لبعضهم الشيء بمثاله ، كما كشف لبعضهم الدنيا في صورة جيفة ، والشيطان في صورة كلب جاثم عليها يدعو إليها ، ويختلف أيضا بما فيه المكاشفة ، فبعضهم ينكشف له من صفات الله تعالى وجلاله ولبعضهم من أفعاله ، ولبعضهم من دقائق علوم المعاملة ، ويكون لتعين تلك المعاني في كل وقت أسباب خفية لا تحصى ، وأشدها مناسبة الهمة ، فإنها إذا كانت مصروفة إلى شيء معين كان ذلك أولى بالانكشاف ولما كانت هذه الأمور لا تتراءى إلا في المرائي الصقيلة ، وكانت المرآة كلها صدئة ، فاحتجبت عنها الهداية لا لبخل من جهة المنعم بالهداية ، بل لخبث متراكم الصدأ على مصب الهداية تسارعت الألسنة إلى إنكار مثل ذلك ، إذ الطبع مجبول على إنكار غير الحاضر ولو كان للجنين عقل لأنكر إمكان وجود الإنسان في متسع الهواء . ولو كان للطفل تمييز ما ربما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت السماوات والأرض . وهكذا الإنسان في كل طور يكاد ينكر ما بعده . ومن أنكر طور الولاية لزمه أن ينكر طور النبوّة ، وقد خلق الخلق أطوارا ، فلا ينبغي أن ينكر كل واحد ما وراء درجته . نعم لما طلبوا هذا من المجادلة والمباحثة المشوّشة ولم يطلبوها من تصفية القلوب عما سوى الله عز وجل ، فقدوه فأنكروه ومن لم يكن من أهل المكاشفة فلا أقل من أن يؤمن بالغيب ويصدق به إلى أن

--> « 1 » العلق : 19