الغزالي

306

إحياء علوم الدين

يشاهد بالتجربة ، ففي الخبر [ 1 ] « إنّ العبد إذا قام في الصّلاة رفع الله سبحانه الحجاب بينه وبين عبده وواجهه بوجهه وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء يصلَّون بصلاته ويؤمنون على دعائه ، وإنّ المصلَّى لينثر عليه البرّ من عنان السّماء إلى مفرق رأسه وينادي مناد : لو علم هذا المناجي من يناجي ما التفت ، وإنّ أبواب السّماء تفتح للمصلَّين ، وإنّ الله عزّ وجلّ يباهي ملائكته بعبده المصلَّى » . ففتح أبواب السماء ، ومواجهة الله تعالى إياه بوجهه ، كناية عن الكشف الذي ذكرناه وفي التوراة مكتوب : يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يديّ مصليا باكيا ، فأنا الله الذي اقتربت من قلبك وبالغيب رأيت نوري . قال فكنا نرى أن تلك الرقة والبكاء والفتوح الذي يجده المصلى في قلبه من دنوّ الرب سبحانه من القلب ، وإذا لم يكن هذا الدنو هو القرب بالمكان ، فلا معنى له إلا الدنو بالهداية والرحمة ، وكشف الحجاب ويقال إن العبد إذا صلَّى ركعتين عجب منه عشرة صفوف من الملائكة ، كل صف منهم عشرة آلاف ، وباهى الله به مائة ألف ملك . وذلك أن العبد قد جمع في الصّلاة بين القيام والقعود والركوع والسجود ، وقد فرّق الله ذلك على أربعين ألف ملك ، فالقائمون لا يركعون إلى يوم القيامة ، والساجدون لا يرفعون إلى يوم القيامة ، وهكذا الراكعون والقاعدون ، فان ما رزق الله تعالى الملائكة من القرب والرتبة لازم لهم مستمر على حال واحد لا يزيد ولا ينقص ، ولذلك أخبر الله عنهم أنهم قالوا * ( وما مِنَّا إِلَّا لَه مَقامٌ مَعْلُومٌ ) * « 1 » وفارق الإنسان الملائكة في الترقي من درجة إلى درجة ، فإنه لا يزال يتقرب إلى الله تعالى فيستفيد مزيد قربه ، وباب المزيد مسدود على الملائكة عليهم السلام ، وليس لكل واحد إلا رتبته التي هي وقف عليه ، وعبادته التي هو مشغول بها ، لا ينتقل إلى غيرها ، ولا يفتر عنها * ( فَلا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِه ولا يَسْتَحْسِرُونَ ، يُسَبِّحُونَ الله اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ) * « 2 » مفتاح مزيد الدرجات هي الصلوات ، قال الله عز وجل « 3 »

--> « 1 » الصافات : 164 « 2 » الأنبياء : 19 ، 20 « 3 » المؤمنون : 1