الغزالي

304

إحياء علوم الدين

وسائلا حاجتك وقائلا : رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم ، أو ما أردت من الدعاء . ثم أكد التواضع بالتكرار فعد إلى السجود ثانيا كذلك وأما التشهد فإذا جلست له فاجلس متأدبا ، وصرح بأن جميع ما تدلى به من الصلوات والطيبات ، أي من الأخلاق الطاهرة لله . وكذلك الملك لله وهو معنى التحيات ، وأحضر في قلبك النبي صلَّى الله عليه وسلم وشخصه الكريم ، وقل سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك ما هو أوفى منه . ثم تسلم على نفسك وعلى جميع عباد الله الصالحين ، ثم تأمل أن يرد الله سبحانه عليك سلاما وافيا بعدد عباده الصالحين ثم تشهد له تعالى بالوحدانية ، ولمحمد صلَّى الله عليه وسلم نبيه بالرسالة ، مجددا عهد الله سبحانه بإعادة كلمتي الشهادة ، ومستأنفا للتحصن بها . ثم ادع في آخر صلاتك بالدعاء المأثور مع التواضع والخشوع والضراعة والابتهال وصدق الرجاء بالإجابة ، وأشرك في دعائك أبويك وسائر المؤمنين ، واقصد عند التسليم السلام على الملائكة والحاضرين ، وانو ختم الصلاة به ، واستشعر شكرا لله سبحانه على توفيقه لإتمام هذه الطاعة ، وتوهم أنك مودع لصلاتك هذه وأنك ربما لا تعيش لمثلها . وقال صلَّى الله عليه وسلم للذي أوصاه : « صلّ صلاة مودّع » ثم أشعر قلبك الوجل والحياء من التقصير في الصلاة ، وخف أن لا تقبل صلاتك ، وأن تكون ممقوتا بذنب ظاهر أو باطن ، فترد صلاتك في وجهك وترجو مع ذلك أن يقبلها بكرمه وفضله ، كان يحيى بن وثاب إذا صلَّى مكث ما شاء الله تعرف عليه كآية الصلاة . وكان إبراهيم يمكث بعد الصلاة ساعة كأنه مريض فهذا تفصيل صلاة الخاشعين ، الذين هم في صلاتهم خاشعون ، والذين هم على صلاتهم يحافظون ، والذين هم على صلاتهم دائمون ، والذين هم يناجون الله على قدر استطاعتهم في العبودية . فليعرض الإنسان نفسه على هذه الصلاة ، فبالقدر الذي يسّر له منه ينبغي أن يفرح ، وعلى ما يفوته ينبغي أن يتحسر ، وفي مداواة ذلك ينبغي أن يجتهد وأما صلاة الغافلين فهي مخطرة ، إلا أن يتغمده الله برحمته ، والرحمة واسعة ، والكرم فائض . فنسأل الله أن يتغمدنا برحمته ، ويغمرنا بمغفرته ، إذ لا وسيلة لنا إلا الاعتراف بالعجز عن القيام بطاعته .