الغزالي

303

إحياء علوم الدين

وكان الصديق رضي الله عنه في صلاته كأنه وتد . وابن الزبير رضي الله عنه كأنه عود وبعضهم كان يسكن في ركوعه بحيث تقع العصافير عليه كأنه جماد . وكل ذلك يقتضيه الطبع بين يدي من يعظم من أبناء الدنيا ، فكيف لا يتقاضاه بين يدي ملك الملوك عند من يعرف ملك الملوك ؟ وكل من يطمئن بين يدي غير الله عز وجل خاشعا ، وتضطرب أطرافه بين يدي الله عابثا ، فذلك لقصور معرفته عن جلال الله عز وجل ، وعن اطلاعه على سره وضميره . وقال عكرمة في قوله عز وجل : * ( الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وتَقَلُّبَكَ في السَّاجِدِينَ ) * « 1 » قال : قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه وأما الركوع والسجود : فينبغي أن تجدد عندهما ذكر كبرياء الله سبحانه ، وترفع يديك مستجيرا بعفو الله عز وجل من عقابه بتجديد نية ، ومتبعا سنة نبيه صلَّى الله عليه وسلم ، ثم تستأنف له ذلَّا وتواضعا بركوعك ، وتجتهد في ترقيق قلبك وتجديد خشوعك ، وتستشعر ذلك وعز مولاك واتضاعك وعلو ربك وتستعين على تقرير ذلك في قلبك بلسانك ، فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة ، وأنه أعظم من كل عظيم ، وتكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار ، ثم ترتفع من ركوعك راجيا أنه راحم لك ومؤكدا للرجاء في نفسك بقولك : سمع الله لمن حمده ، أي أجاب لمن شكره ثم تردف ذلك بالشكر المتقاضي للمزيد فتقول : ربنا لك الحمد . وتكثر الحمد بقولك ملء السماوات وملء الأرض . ثم تهوى إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة ، فتمكن أعز أعضائك وهو الوجه ، من أذل الأشياء وهو التراب . وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما حائلا فتسجد على الأرض فافعل ، فإنه أجلب للخشوع ، وأدل على الذل . وإذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها موضعها ، ورددت الفرع إلى أصله ، فإنك من التراب خلقت ، وإليه تعود ، فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله وقل سبحان ربي الأعلى ، وأكده بالتكرار فإن الكرة الواحدة ضعيفة الأثر فإذا رق قلبك وظهر ذلك فلتصدق رجاءك في رحمة الله فإن رحمته تتسارع إلى الضعف والذل ، لا إلى التكبر والبطر . فارفع رأسك مكبرا

--> « 1 » الشعراء : 218