الغزالي

302

إحياء علوم الدين

وروي أن زرارة بن أوفى لما انتهى إلى قوله تعالى : * ( فَإِذا نُقِرَ في النَّاقُورِ ) * « 1 » خر ميتا وكان إبراهيم النخعي إذا سمع قوله تعالى : * ( إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ) * « 2 » اضطرب حتى تضرب أوصاله . وقال عبد الله بن واقد : رأيت ابن عمر يصلي مغلوبا عليه . وحق له أن يحترق قلبه بوعد سيده ووعيده ، فإنه عبد مذنب ذليل بين يدي جبار قاهر ، وتكون هذه المعاني بحسب درجات الفهم ، ويكون الفهم بحسب وفور العلم وصفاء القلب . ودرجات ذلك لا تنحصر . والصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار الكلمات . فهذا حق القراءة وهو حق الأذكار والتسبيحات أيضا ثم يراعي الهيبة في القراءة ، فيرتل ولا يسرد ، فان ذلك أيسر للتأمل ، ويفرق بين نغماته في آية الرحمة والعذاب ، والوعد والوعيد ، والتحميد والتعظيم والتمجيد . كان النخعي إذا مر بمثل قوله عز وجل : * ( ما اتَّخَذَ الله من وَلَدٍ وما كانَ مَعَه من إِله ) * « 3 » يخفض صوته كالمستحي عن أن يذكره بكل شيء لا يليق به . وروى : « أنّه يقال [ 1 ] لقارئ القرءان اقرأ وارق ورتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا » وأما دوام القيام فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله عز وجل على نعت واحد من الحضور . قال صلَّى الله عليه وسلم : « إنّ الله عزّ وجلّ [ 2 ] مقبل على المصلَّى ما لم يلتفت » وكما تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات ، فكذلك تجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة . فإذا التفت إلى غيره فذكره باطلاع الله عليه وبقبح التهاون بالمناجى عند غفلة المناجى ليعود إليه وألزم الخشوع للقلب بأن الخلاص عن الالتفات باطنا وظاهرا ثمرة الخشوع ، ومهما خشع الباطن خشع الظاهر . قال صلَّى الله عليه وسلم وقد رأى رجلا مصليا يعبث بلحيته : « أمّا هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه » فان الرعية بحكم الراعي . ولهذا ورد في الدعاء [ 3 ] « اللَّهمّ أصلح الرّاعى والرّعيّة » وهو القلب والجوارح

--> « 1 » المدثر : 8 « 2 » الانشقاق : 1 « 3 » المؤمنون : 91