الغزالي

296

إحياء علوم الدين

في أن تصفو له لذة المناجاة في الصلاة فإن من فرح بالدنيا لا يفرح با لله سبحانه وبمناجاته . وهمة الرجل مع قرة عينه فإن كانت قرة عينه في الدنيا انصرف لا محالة إليها همه ، ولكن مع هذا فلا ينبغي أن يترك المجاهدة ، ورد القلب إلى الصلاة ، وتقليل الأسباب الشاغلة . فهذا هو الدواء المر ، ولمرارته استبشعته الطباع ، وبقيت العلة مزمنة ، وصار الداء عضالا ، حتى إن الأكابر اجتهدوا أن يصلوا ركعتين لا يحدثوا أنفسهم فيها بأمور الدنيا فعجزوا عن ذلك ، فإذا لا مطمع فيه لأمثالنا ، وليته سلم لنا من الصلاة شطرها أو ثلثها من الوسواس لنكون ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا وعلى الجملة فهمة الدنيا وهمة الآخرة في القلب مثل الماء الذي يصب في قدح مملوء بخل ، فبقدر ما يدخل فيه من الماء يخرج منه من الخل لا محالة ، ولا يجتمعان بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة فنقول : حقك إن كنت من المريدين للآخرة أن لا تغفل أوّلا عن التنبيهات التي في شروط الصلاة وأركانها أما الشروط السوابق فهي : الأذان ، والطهارة ، وستر العورة ، واستقبال القبلة ، والانتصاب قائما ، والنية . فإذا سمعت نداء المؤذن فأحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة ، وتشمر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة ، فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الأكبر ، فاعرض قلبك على هذا النداء فإن وجدته مملوءا بالفرح والاستبشار ، مشحونا بالرغبة إلى الابتدار ، فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم القضاء . ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم : [ 1 ] « أرحنا يا بلال » أي أرحنا بها وبالنداء إليها إذ كان قرة عينه فيها صلَّى الله عليه وسلم