الغزالي
297
إحياء علوم الدين
وأما الطهارة : فإذا أتيت بها في مكانك وهو ظرفك الأبعد ، ثم في ثيابك وهي غلافك الأقرب ، ثم في بشرتك وهو قشرك الأدنى ، فلا تغفل عن لبك الذي هو ذاتك وهو قلبك ، فاجتهد له تطهيرا بالتوبة والندم على ما فرطت ، وتصميم العزم على الترك في المستقبل ، فطهر بها باطنك فإنه موضع نظر معبودك وأما ستر العورة : فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق ، فإن ظاهر بدنك موقع لنظر الخلق ، فما بالك في عورات باطنك وفضائح سرائرك التي لا يطلع عليها إلا ربك عز وجل ؟ فأحضر تلك الفضائح ببالك ، وطالب نفسك بسترها ، وتحقق أنه لا يستر عن عين الله سبحانه ساتر ، وإنما يكفرها الندم والحياء والخوف ، فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف والحياء من مكامنهما ، فتذل بها نفسك ، ويستكين تحت الخجلة قلبك ، وتقوم بين يدي الله عز وجل قيام العبد المجرم المسئ الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسا رأسه من الحياء والخوف وأما الاستقبال : فهو صرف ظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله تعالى ، أفترى أن صرف القلب عن سائر الأمور إلى أمر الله عز وجل ليس مطلوبا منك ؟ هيهات ! فلا مطلوب سواه ، وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن ، وضبط للجوارح ، وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب ، فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها والتفاتها إلى جهاتها ، استتبعت القلب ، وانقلبت به عن وجه الله عز وجل ، فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك ، فاعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها ، فلا ينصرف القلب إلى الله عز وجل إلا بالتفرغ عما سواه وقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إذا قام العبد إلى صلاته فكان هواه ووجهه وقلبه إلى الله عزّ وجلّ انصرف كيوم ولدته أمّه » أما الاعتدال قائما : فإنما هو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله عز وجل ، فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مطرقا مطأطئا متنكسا ، وليكن وضع الرأس عن ارتفاعه