الغزالي
295
إحياء علوم الدين
وروى : أن أبا طلحة [ 1 ] صلى في حائط له فيه شجر فأعجبه دبسيّ طار في الشجر يلتمس مخرجا فأتبعه ببصره ساعة ثم لم يدر كم صلَّى ، فذكر لرسول الله صلَّى الله عليه وسلم ما أصابه من الفتنة ، ثم قال : يا رسول الله هو صدقة فضعه حيث شئت وعن رجل آخر أنه صلَّى في حائط له والنخل مطوقة بثمرها فنظر إليها فأعجبته ولم يدر كم صلَّى ، فذكر ذلك لعثمان رضي الله عنه وقال : هو صدقة فاجعله في سبيل الله عز وجل ، فباعه عثمان بخمسين ألفا ، فكانوا يفعلون ذلك قطعا لمادة الفكر ، وكفارة لما جرى من نقصان الصلاة . وهذا هو الداء القامع لمادة العلة ، ولا يغنى غيره . فأما ما ذكرناه من التلطف بالتسكين ، والرد إلى فهم الذكر ، فذلك ينفع في الشهوات الضعيفة ، والهمم التي لا تشغل إلا حواشي القلب . فأما الشهوة القوية المرهقة فلا ينفع فيها التسكين ، بل لا تزال تجاذبها وتجاذبك ثم تغلبك ، وتنقضي جميع صلاتك في شغل المجاذبة . ومثاله رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره وكانت أصوات العصافير تشوش عليه ، فلم يزل يطيرها بخشبة في يده ويعود إلى فكره ، فتعود العصافير ، فيعود إلى التنقير بالخشبة فقيل له إن هذا سير السواني ، ولا ينقطع . فإن أردت الخلاص فاقطع الشجرة ، فكذلك شجرة الشهوات إذا تشعبت وتفرعت أغصانها انجذبت إليها الأفكار انجذاب العصافير إلى الأشجار ، وانجذاب الذباب إلى الأقذار ، والشغل يطول في دفعها ، فإن الذباب كلما ذب آب ولأجله سمى ذبابا ، فكذلك الخواطر وهذه الشهوات كثيرة ، وقلما يخلو العبد عنها ، ويجمعها أصل واحد وهو حب الدنيا وكذلك رأس كل خطيئة وأساس كل نقصان ومنبع كل فساد . ومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شيء منها لا ليتزود منها ولا ليستعين بها على الآخرة ، فلا يطمعن