الغزالي

294

إحياء علوم الدين

ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة عما يهمه ، فلا يترك لنفسه شغلا يلتفت إليه خاطره قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي شيبة : [ 1 ] « إنّى نسيت أن أقول لك أن تخمر القدر الَّذي في البيت فإنّه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل النّاس عن صلاتهم » فهذا طريق تسكين الأفكار فإن كان لا يسكن هائج أفكاره بهذا الدواء المسكن فلا ينجيه إلا المسهل الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق ، وهو أن ينظر في الأمور الصارفة الشاغلة له عن إحضار القلب ، ولا شك أنها تعود إلى مهماته ، وأنها إنما صارت مهمات لشهواته ، فيعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع تلك العلائق ، فكل ما يشغله عن صلاته فهو ضد دينه ، وجند إبليس عدوه ، فإمساكه أضر عليه من إخراجه ، فيتخلص منه بإخراجه ، كما روى : أنه صلَّى الله عليه وسلم لما لبس [ 2 ] الخميصة التي أتاه بها أبو جهم وعليها علم وصلَّى بها نزعها بعد صلاته وقال صلَّى الله عليه وسلم : « اذهبوا بها إلى أبي جهم فإنّها ألهتني آنفا عن صلاتي وائتوني بأنبجانيّة أبي جهم » وأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم بتجديد شراك نعله ثم نظر إليه في صلاته إذ كان جديدا فأمر أن [ 3 ] ينزع منها ويرد الشراك الخلق . وكان صلَّى الله عليه وسلم : [ 4 ] قد احتذى نعلا فأعجبه حسنها فسجد وقال : « تواضعت لربّى عزّ وجلّ كي لا يمقتني » ثم خرج فدفعها إلى أول سائل لقيه ، ثم أمر عليا رضي الله عنه أن يشترى له نعلين سبتيتين جرداوين فلبسهما . وكان صلَّى الله عليه وسلم في يده خاتم من ذهب قبل التحريم وكان على المنبر فرماه [ 5 ] وقال : « شغلني هذا نظرة إليه ونظرة إليكم »