الغزالي
293
إحياء علوم الدين
بيان الدواء النافع في حضور القلب اعلم أن المؤمن لا بد أن يكون معظما لله عز وجل وخائفا منه وراجيا له ومستحييا من تقصيره ، فلا ينفك عن هذه الأحوال بعد إيمانه وإن كانت قوتها بقدر قوة يقينه ، فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا تفرق الفكر وتقسم الخاطر وغيبة القلب عن المناجاة والغفلة عن الصلاة ، ولا يلهى عن الصلاة إلا الخواطر الواردة الشاغلة ، فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر ، ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه ، فلتعلم سببه وسبب موارد الخواطر إما أن يكون أمرا خارجا أو أمرا في ذاته باطنا ، أما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر ، فإن ذلك قد يختطف الهم حتى يتبعه ويتصرف فيه ، ثم تنجر منه الفكرة إلى غيره ويتسلسل ، ويكون الإبصار سببا للافتكار ، ثم تصير بعض تلك الأفكار سببا للبعض ، ومن قويت نيته وعلت همته لم يلهه ما جرى على حواسه ، ولكن الضعيف لا بد وأن يتفرق به فكره . وعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره ، أو يصلى في بيت مظلم ، أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه ، ويقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره ، ويحترز من الصلاة على الشوارع ، وفي المواضع المنقوشة المصنوعة ، وعلى الفرش المصبوغة ، ولذلك كان المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم سعته قدر السجود ليكون ذلك أجمع للهم . والأقوياء منهم كانوا يحضرون المساجد ويغضون البصر ولا يجاوزون به موضع السجود ، ويرون كمال الصلاة في أن لا يعرفوا من على يمينهم وشمالهم . وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يدع في موضع الصلاة مصحفا ولا سيفا إلا نزعه ولا كتابا إلا محاه وأما الأسباب الباطنة فهي أشد ، فإن من تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لا ينحصر فكره في فن واحد ، بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب ، وغض البصر لا يغنيه ، فإن ما وقع في القلب من قبل كاف للشغل . فهذا طريقه أن يرد النفس قهرا إلى فهم ما يقرؤه في الصلاة ويشغلها به عن غيره . ويعينه على ذلك أن يستعد له قبل التحريم بأن يجدد على نفسه ذكر الآخرة وموقف المناجاة وخطر المقام بين يدي الله سبحانه وهول المطلع