الغزالي
292
إحياء علوم الدين
واستيلاؤها على القلب كما سبق في بيان اليقين من كتاب العلم ، وبقدر اليقين يخشع القلب ، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها : « كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يحدّثنا ونحدّثه فإذا حضرت الصّلاة كأنّه لم يعرفنا ولم نعرفه » وقد روى أن الله سبحانه أوحى إلى موسى عليه السلام : « يا موسى إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك ، وكن عند ذكرى خاشعا مطمئنا ، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك ، وإذا قمت بين يديّ فقم قيام العبد الدليل وناجني بقلب وجل ولسان صادق » وروى أن الله تعالى أوحى إليه : قل لعصاة أمتك لا يذكروني فإني آليت على نفسي أن من ذكرني ذكرته فإذا ذكرونى ذكرتهم باللعنة . هذا في عاص غير غافل في ذكره ، فكيف إذا اجتمعت الغفلة والعصيان . وباختلاف المعاني التي ذكرناها في القلوب انقسم الناس إلى غافل يتمم صلاته ولم يحضر قلبه في لحظة منها ، وإلى من يتمم ولم يغب قلبه في لحظة ، بل ربما كان مستوعب الهم بها بحيث لا يحس بما يجرى بين يديه ولذلك لم يحس مسلم ابن يسار بسقوط الأسطوانة في المسجد اجتمع الناس عليها ، وبعضهم كان يحضر الجماعة مدة ولم يعرف قط من على يمينه ويساره ، ووجيب قلب إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه كان يسمع على ميلين ، وجماعة كانت تصفر وجوههم وترتعد فرائصهم وكل ذلك غير مستبعد ، فان أضعافه مشاهد في همم أهل الدنيا وخوف ملوك الدنيا مع عجزهم وضعفهم وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم ، حتى يدخل الواحد على ملك أو وزير ويحدثه بمهمته ثم يخرج ولو سئل عمن حواليه أو عن ثوب الملك لكان لا يقدر على الإخبار عنه لاشتغال همه به عن ثوبه وعن الحاضرين حواليه . ولكلّ درجات مما عملوا فحظ كل واحد من صلاته بقدر خوفه وخشوعه وتعظيمه ، فإن موقع نظر الله سبحانه القلوب دون ظاهر الحركات ، ولذلك قال بعض الصحابة رضي الله عنهم : يحشر الناس يوم القيامة على مثال هيئتهم في الصلاة من الطمأنينة والهدوّ ، ومن وجود النعيم بها واللذة . ولقد صدق فإنه يحشر كل على ما مات عليه ، ويموت على ما عاش عليه ، ويراعى في ذلك حال قلبه لا حال شخصه . فمن صفات القلوب تصاغ الصور في الدار الآخرة ، ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم . نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه