الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
9
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
الفاجرة بولد في هذه الدرجة العالية . أما التكلم بإزالة التهمة عن الأم لا يفيد إزالة التهمة عن اللّه تعالى ، فكان الاشتغال بذلك أولى . وقد وصف عيسى عليه السلام نفسه بصفات ثمانية : أولها : العبودية ، فاعترف بها لئلا يتخذوه إلها . وآخرها : تأمين اللّه له في أخوف المقامات ، وكل هذه الصفات تقتضي تبرئة أمه . آتانِيَ الْكِتابَ ، أي علمني التوراة والإنجيل في بطن أمي ، وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) بعد الخروج من بطن أمي ، وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أي نفاعا معلما للخير ، أَيْنَ ما كُنْتُ ، أي في أي مكان كنت . روى الحسن عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « سلمت مريم عيسى إلى الكتاب ، فقالت للمعلم : أدفعه إليك على أن لا تضربه ، فقال له المعلم : اكتب . فقال : أيّ شيء أكتب ؟ فقال : اكتب أبجد . فرفع عيسى عليه السلام رأسه فقال : هل تدري ما أبجد ؟ فعلاه بالدرة ليضربه ، فقال : يا مؤدب لا تضربني ، إن كنت لا تدري فاسألني فإني أعلمك الألف من آلاء اللّه ، والباء من بهاء اللّه ، والجيم من جمال اللّه ، والدال من أداء الحق إلى اللّه » . وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ أي أمرني بإقامة العبودية وتطهير النفس عن الصفات الذميمة . ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) ، في الدنيا ليكون ذلك حجة على من ادعى أنه عليه السلام إله ، لأنه لا شك في أن من يعبد إلها ليس بإله ، واللّه تعالى صيّره حين انفصل عن أمه عاقلا . وَبَرًّا بِوالِدَتِي أي وكلفني برا بأمي ، وهذا إشارة إلى غير تنزيه أمه عن الزنا ، إذ لو كانت زانية لما كان الرسول المعصوم مأمورا بتعظيمها . وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً ، أي متعاظما . شَقِيًّا ( 32 ) أي عاصيا للّه ، عنيدا له لفرط التكبر ، بل جعلني متواضعا . وكان من تواضعه أنه كان يأكل ورق الشجر ، ويجلس على التراب ، ولم يتخذ له مسكنا . وروي أن عيسى عليه السلام ، قال : قلبي لين وأنا صغير في نفسي . وَالسَّلامُ عَلَيَّ أي الأمان من اللّه علي ، يَوْمَ وُلِدْتُ ، أي حين ولدت من لمزة الشيطان ، وَيَوْمَ أَمُوتُ ، أي حين أموت من ضغطة القبر ، وَيَوْمَ أُبْعَثُ من القبر ، حَيًّا ( 33 ) . وإنما خصّ هذه المواضع لكونها أخوف من غيرها . ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ ، أي عيسى بن مريم كلمة اللّه ، فالحق اسم اللّه ، أو المعنى خبر عيسى ابن مريم خبر الحق ، فعيسى عطف بيان . وقرأ عاصم وابن عامر قول الحق بالنصب على المدح إن فسّر بكلمة اللّه فحينئذ الوقف في مريم وقف كاف وإن فسّر بالقول الصدق ، كان مصدرا مؤكدا لقال : إني عبد اللّه ، ف « عيسى » خبر المبتدأ وعلى قراءة النصب كان اسم الإشارة راجعا لمن بينت نعوته الجليلة . الَّذِي فِيهِ ، أي في عيسى يَمْتَرُونَ ( 34 ) ، أي يتنازعون . فيقول اليهود : هو ساحر . ويقول بعض النصارى : هو ابن اللّه . ويقول بعضهم : هو اللّه . ويقول : بعضهم هو شريكه . ما كانَ لِلَّهِ ، أي ما صحّ له تعالى ، أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ ، لأنه يلتزم من اتخاذه ولدا الحاجة ، وهو نقص ، سُبْحانَهُ ، أي تنزه اللّه عن ذلك ، إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 35 ) . أي إذا أراد اللّه أن يحدث أمرا من الأمور ، فإنما يريده ويعلق قدرته به ، فيكون