الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

10

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

حينئذ بلا تأخير . وقرأ ابن عامر بنصب « يكون » على الجواب . وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ . قرأ ابن عامر والكوفيون بكسر « إن » عطف على قوله : « إني عبد اللّه » أو على الاستئناف ، ويؤيده ما قرأه أبي « إن اللّه » بالكسر بغير واو . وقرأ أبو عمرو والمدنيون بالفتح على حذف حرف الجر متعلقا بما بعده ، أي ولأن اللّه أو بسبب أنه تعالى ربي وربكم فاعبدوه . هذا التوحيد ونفي الولد والزوجة الذي أمرتكم به ، صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 36 ) ، يوصل إلى الجنة ورضا اللّه تعالى . فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ، أي اختلف النصارى في شأن عيسى عليه السلام بعد رفعه إلى السماء . فأخرج كل قوم عالمهم ، فأخرج منهم أربعة نفر ، فقال أحدهم : هو اللّه تعالى هبط إلى الأرض ، فأحيا من أحيا وأمات من أمات ، ثم صعد إلى السماء ، وهم : اليعقوبية . فقالت الثلاثة كذبت . ثم قال اثنان منهم للثالث : قل فيه ، قال : هو ابن اللّه وهم النسطورية . فقال الاثنان : كذبت . ثم قال أحد الاثنين للآخر قل فيه . فقال : هو ثالث ثلاثة اللّه إله ، وهو إله ، وأمه إله ، وهم الإسرائيلية ، ملوك النصارى ، ولذلك سموا ملكانية . فقال الرابع : كذبت ، بل هو عبد اللّه ، وروحه ، ورسوله ، وكلمته ، فخصمهم ، وقال : أما تعلمون أن عيسى كان يطعم ، وينام ، وأن اللّه تعالى لا يجوز عليه ذلك ، وهم المسلمون . وكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال ، فاقتتلوا وغلبوا على المسلمين . فذلك قول اللّه تعالى : وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [ آل عمران : 21 ] فصاروا أحزابا . وذلك قوله تعالى : فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فاختلفوا فيه ، وهذا معنى قوله تعالى : الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ فَوَيْلٌ أي فشدّة عذاب ، لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي اختلفوا في شأن عيسى ، مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 37 ) ، أي من حضور هول الحساب ، والجزاء يوم القيامة ، أو من مكان الحضور في الحساب وهو الموقف ، أو من وقت حضوره ، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم ، وهو شهادة الملائكة والأنبياء ، وشهادة ألسنتهم وأيديهم ، وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال ، أو من وقت شهادة يوم عظيم الهول أو من مكانها . أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا ، أي أن أسماعهم وأبصارهم يوم يأتوننا للحساب والجزاء ، جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صما وعميانا في الدنيا . لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 38 ) ، أي لكن الكافرون في الدنيا في ضلال مبين ، حيث تركوا النظر بالكلية ، وهم في الآخرة يعرفون الحق . وَأَنْذِرْهُمْ ، أي خوف يا أشرف الخلق ، كفار مكة يَوْمَ الْحَسْرَةِ ، أي يوم الندامة ، إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ من الحساب ببيان أمر الثواب والعقاب ، فيندم في ذلك اليوم الناس ، المسئ على إساءته في الدنيا ، والمحسن على قلة إحسانه فيها . روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، سئل عن قوله تعالى : إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ ، فقال : « حين يجاء بالموت على صورة كبش أملح فيذبح ، والفريقان ينظران فينادي المنادي : يا أهل الجنة ، خلود فلا موت ، ويا أهل النار ، خلود فلا موت ، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرح ، وأهل النار غما إلى