الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
8
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
يقال : إن اللّه تعالى أنطق عيسى لها حين وضعته تطييبا لقلبها ، وإزالة للوحشة عنها ، حتى تشاهد في أول الأمر ما بشّرها به جبريل من علوّ شأن ذلك الولد . كما قال الحسن بن علي رضي اللّه عنهما : إن عيسى عليه السلام لو لم يكن كلّمها لما علمت أنه ينطق ، فما كانت تشير إلى عيسى بالكلام . وحمل فاعل « نادى » على عيسى أقرب وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ أي حرّكي أصل النخلة تحريكا عنيفا إلى جهتك ، تُساقِطْ عَلَيْكِ أي تسقط النخلة عليك إسقاطا متواترا بحسب تواتر الهز ، رُطَباً جَنِيًّا ( 25 ) أي طريا استحق أن يجنى . وقرأ حمزة بفتح التاء والسين مخففة ، وفتح القاف . وقرأ حفص بضم التاء ، وكسر القاف . والباقون بفتح التاء ، وتشديد السين ، وفتح القاف ، فَكُلِي وَاشْرَبِي أي فكلي من الرطب ، واشربي من النهر ، أو كلي من الرطب ، واشربي من عصيره . وَقَرِّي عَيْناً أي طيبي نفسا بولدك عيسى ، فالعين إذا رأت ما يسّر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره ، وأن دمعة السرور باردة ، ودمعة الحزن حارة ، ولذلك يقال : للمحبوب قرة العين ، وللمكروه سخنة العين . فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( 26 ) ، أن فإن تري يا مريم أحدا من الآدميين فيسألك عن ولدك ، فقولي له إن استنطقك : إني نذرت للرحمن صمتا فلن أكلم اليوم آدميا ، بعد أن أخبرتك بنذري وإنما أكلم الملائكة ، وأناجي ربي . وإنما منعت مريم من الكلام ليكون عيسى المتكلم عنها ، فيكون أقوى لحجتها في إزالة التهمة عنها ، ولكراهة مجادلة السفهاء . فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ أي فجاءتهم مع ولدها عيسى حاملة له وهو ابن أربعين يوما . روي عن ابن عباس أن يوسف انتهى بمريم إلى غار فأدخلها فيه أربعين يوما حتى طهرت من النفاس ، ثم حملته إلى قومها ، فكلّمها عيسى في الطريق ، فقال : يا أماه أبشري فإني عبد اللّه ومسيحه . فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا وكانوا أهل بيت صالحين . قالُوا مؤنبين لها : يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ( 27 ) ، أي لقد فعلت شيئا منكرا عظيما ، يا أُخْتَ هارُونَ ، أي يا شبيهة هارون في العبادة ؛ وكان هارون هذا رجلا صالحا من أفضل الناس من بني إسرائيل ، ينسب إليه كل من عرف بالصلاح وهذا لمّا مات تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمّون هارون تبركا به وباسمه . والمراد أنك يا مريم كنت في الزهد كهارون ، فكيف صرت هكذا ! ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ ، أي ما كان أبوك عمران رجلا زانيا ، وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( 28 ) ، أي وما كانت أمك حنة امرأة فاجرة فَأَشارَتْ ، مريم إِلَيْهِ ، أي إلى عيسى أن كلموه ، قالُوا منكرين لجوابها : كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ ، أي في الحجر أو في السرير صَبِيًّا ( 29 ) أي صغيرا ابن أربعين يوما . روي أن عيسى كان يرضع ، فلما سمع ذلك ترك الرضاع ، وأقبل عليهم بوجهه ، واتكأ على يساره ، وأشار بسبابة يمينه ، فتكلم عيسى قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ، وإنما نص عيسى على إثبات عبودية نفسه ، لأن إزالة التهمة عن اللّه تعالى ، تفيد إزالة التهمة عن الأم ، لأن اللّه تعالى لا يخص