الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
65
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
تعالى ، هو الذي أذهب عقولهم وطيّر تمييزهم . وَمِنَ النَّاسِ ، أي وبعض الناس ، كالنضر بن الحرث ، وأبي جهل ، وأبيّ بن خلف ، مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ ، أي في دين اللّه وكتابه وقدرته ، بِغَيْرِ عِلْمٍ أي ملتبسا بغير علم ، فإنهم ينكرون البعث ، وقالوا : إن اللّه لا يقدر على إحياء من صار ترابا ، ويكذّبون القرآن ويقولون : ما يأتيكم به محمد ، كما كنت أحدثكم به عن القرون الماضية ، فهو أساطير الأولين . وَيَتَّبِعُ في جداله ، كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ( 3 ) أي عات متجرد للفساد ، والمراد : إما شياطين الإنس ، وهم رؤساء الكفار الذين يدعون من دونهم إلى الكفر ، وإما إبليس وجنوده . كُتِبَ عَلَيْهِ مبني للمفعول صفة ثانية ، أي قد كتب على الشيطان في أمّ الكتاب لظهور ذلك من حاله ، أَنَّهُ أي الشأن ، مَنْ تَوَلَّاهُ أي من اتخذه وليا وأطاعه ، فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ ، بفتح الهمزة على أنه خبر مبتدأ محذوف . أي من يقبل الشيطان بقوله فشأنه أن الشيطان يضلّه عن طريق الجنة . وَيَهْدِيهِ أي يدعوه إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ( 4 ) أي إلى ما يؤدي إلى عذاب النار الوقود ، من السيئات . يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة ، إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فانظروا إلى مبدأ خلقكم ليزول ريبكم ، فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ ، أي خلقنا كلّ فرد منكم ، مِنْ تُرابٍ ، لأن المني ودم الطمث ، يتولدان من الأغذية وهي من النبات ، وهو يتولّد من الأرض والماء ، ثُمَّ خلقناكم ، مِنْ نُطْفَةٍ ، أي مني ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ أي دم جامد ، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ أي لحمة صغيرة قدر ما يمضغ ، مُخَلَّقَةٍ ، أي تامة الصور ، والحواس ، والتخاطيط ، وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ أي وناقصة في هذه الأمور . لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ، أي أخبرناكم في القرآن ، بدء خلقكم لنبيّن لكم ما يزيل عنكم ذلك الريب في أمر بعثكم ، فإن القادر على هذه الأشياء ، كيف يكون عاجزا عن الإعادة وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ، أي ونحن نقر بعد ذلك في الأرحام ما نشاء أن نقره فيها من الولد إلى وقت الوضع . ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ من بطون أمهاتكم بعد إقراركم فيها ، عند تمام الوقت المقدر بالإرادة القديمة والحكمة الأزلية ، طِفْلًا أي حال كونكم صغارا ، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ، أي ثم نسهل في تربيتكم أمورا لتبلغوا كما لكم في القوة والعقل والتمييز ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى على كماله في ذلك ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي إلى أخسه ، وهو الهرم والخرف . لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً أي ليعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية من ضعف البدن ، وسخافة العقل ، وقلة الفهم ، فينسى ما علمه ، وينكر ما عرفه ، ويعجز عما قدّر عليه . وَتَرَى أيها المجادل الْأَرْضَ هامِدَةً أي يابسة خالية من النبات ، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ أي ماء المطر والعيون ، والأنهار ، اهْتَزَّتْ أي تحرّكت في رأي العين بسبب حركة النبات ، وَرَبَتْ أي انتفخت للنبات ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 5 ) أي وأخرجت بالماء كل نوع من أنواع النبات حسن ، يسّر ناظره . ذلِكَ ، أي الصنع البديع في الإنسان ، والأرض حاصل بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ أي الموجود الثابت ، المتحقق في