الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

66

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

الألوهية فهذه الموجودات دالة على وجود الصانع ، وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى ، أي شأنه إحياء الموتى كما أحيى الأرض الميتة ، وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 6 ) فإذا دلّت المشاهدة على قدرته تعالى على إحياء بعض الأموات ، لزم اقتداره تعالى على إحياء جميع الأموات ، فلا بدّ وأن يكون قادرا على إعادة الموتى إلى الحياة ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 7 ) . وهذا كناية عن كونه تعالى حكيما ، لأنه من روادف الحكمة ، فالمعنى ذلك أي خلق الإنسان ، وإحياء النبات ، حاصل بسبب أنه تعالى قادر على إحياء الموتى ، وأنه تعالى حكيم لا يخلف وعده وقد وعد بإتيان الساعة ، والبعث ، فلا بد أن يفي بما وعد . وَمِنَ النَّاسِ وهو أبو جهل بن هشام ، مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ أي في شأنه تعالى ، بِغَيْرِ عِلْمٍ أي كائنا بغير علم ضروري ، وَلا هُدىً أي نظر صحيح هاد إلى المعرفة . وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 8 ) أي وحي مظهر للحق أي يجادل في شأنه من غير تمسّك بقياس ضروري ولا بحجة نظرية ، ولا ببرهان سمعي . ثانِيَ عِطْفِهِ حال ثانية من فاعل « يجادل » ، أي معرضا بجانبه عن الحق متكبّر . وقرأ الحسن بفتح العين أي مانعا لتعطّفه قاسيا . لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، متعلق ب « يجادل » أي فإن المجادل أظهر التكبّر لكي يتبعه غيره ، فيضلّه عن طريق الحق بالتمويهات ، فجمع بين الضلال والكفر وإضلال الغير . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، بفتح الياء ، فتكون اللام للعاقبة ، أي فإن المجادل أظهر التكبّر فيستمر ضلاله عن دين اللّه ، أو يزيد ضلاله عنه في عاقبة أمره ، فلا هداية له بعده . لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وهو ما أصابه يوم بدر من القتل والإهانة . وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ( 9 ) أي عذاب النار المحرقة . ذلِكَ ، أي العذاب الدنيوي والأخروي ، بِما قَدَّمَتْ يَداكَ أي بسبب ما عملته من الكفر والمعاصي ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ( 10 ) ومحل « أن » رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف . أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من جهتهم وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ أي على طرف من الدين ، لا في وسطه ، وعلى ضعيف يقين ، والجار والمجرور حال من فاعل يعبد أي متزلزلا . فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ ، دنيوي وهو ما يوافق الطبع ، اطْمَأَنَّ بِهِ أي ثبت على ذلك الدين ، بسبب ذلك الخير الذي يوافق هواه ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ وهو ما يثقل على طبعه انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ أي رجع إلى دينه الأول ، وهو الشرك باللّه ولما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى : وإن أصابه شر لأن ما ينفر عنه الطبع ليس شرا في نفسه ، بل هو سبب القرب بشرط التسليم والرضا بالقضاء . نزلت هذه الآية في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة مهاجرين من باديتهم ، فكان أحدهم إذا صحّ في المدينة جسمه ، ونتجت فرسه مهرا حسنا ، وولدت امرأته غلاما ، وكثر ماله ، قال : هذا دين حسن واطمأن إليه ، وإن أصابه مرض ، وولدت امرأته جارية ، أو أجهضت