الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
62
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
اللّه من الأوثان وغيرها ، حَصَبُ جَهَنَّمَ أي حطب جهنم يرمون فيها ، أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ ( 98 ) أي داخلون فيها . و روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين تلا هذه الآية وقال له ابن الزبعري - والد عبد اللّه القرشي - : خصمتك ورب الكعبة ، أليست اليهود عبدوا عزيرا ، والنصارى المسيح ، وبنو مليح الملائكة ؟ رد صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « ما أجهلك بلغة قومك ، أما فهمت أن « ما » لما لا يعقل ؟ » وقد أسلم ابن الزبعري بعد هذه القصة . لَوْ كانَ هؤُلاءِ أي أصنامهم آلِهَةً كما يزعمون ما وَرَدُوها ، أي ما دخلوا النار ، وَكُلٌّ من العبدة والمعبودين ، فِيها خالِدُونَ ( 99 ) أي لا خلاص لهم عنها . لَهُمْ أي للعبدة فِيها زَفِيرٌ ، أي أنين وتنفّس شديد ، وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ ( 100 ) أصوات المعذّبين لشدة الهول وفظاعة العذاب . وقد جرت عادة اللّه تعالى ، أنه متى شرح عقاب الكفار أردفه بشرح ثواب الأبرار ، فقال : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى ، أي الذين سبقت لهم كلمتنا بالبشرى بالثواب على الطاعة ، أُولئِكَ عَنْها ، أي جهنم مُبْعَدُونَ ( 101 ) . عن ألمها فإنهم في الجنة . وشتان بينها وبين النار . لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها ، أي صوت جهنم وحركة تلهّبها إذا نزلوا منازلهم في الجنة وهذه الجملة بدل من « مبعدون » ، أو حال من ضميره ، أو خبر ثان ، وهي مذكورة للمبالغة في إنقاذهم منها . وَهُمْ أي من تقدم لهم الوعد بالثواب ، فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ ، أي تمنت نعيم الجنة ، خالِدُونَ ( 102 ) أي دائمون في غاية النعم . لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ، حين تغلق النار على أهلها وييأسون من الخروج منها ، وحين يذبح الموت في صورة كبش أملح بين الجنة والنار ، وينادى : يا أهل النار خلود بلا موت ، فييأس أهل النار من الخروج منها ، وحين يؤمر بالكافر إلى الذهاب إلى النار . وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ، أي الحفظة الذين كتبوا أعمالهم وأقوالهم ، على أبواب الجنة بالبشرى قائلين هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 103 ) . أي هذا الوقت وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم به في الدنيا فأبشروا بفنون المثوبات ، وبجميع ما يسركم بإيمانكم وطاعاتكم . يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ بنون العظمة . وقرئ « يطوي » بالياء والتاء على البناء للمفعول ، فالظرف منصوب ب « أذكر » أو ب « تتلقاهم » . كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ، أي يوم نطوي السماء طيا ، كطيّ الطومار للمكتوبات . وقرأ حفص وحمزة والكسائي بصيغة الجمع . والباقون بصيغة الإفراد ، واللام متعلقة بمحذوف وهو حال من السجل ، ومعنى طي الطومار للمكتوب ، كون الطومار ساترا لتلك الكتابة ، ومخفيا لها لأن الطيّ ضد النشر الذي يكشف . كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ، أي نعيد ما خلقناه أو لا إعادة مثل بدئنا إياه في كونها إيجادا بعد عدم ، أو جمعا للأجزاء المتبددة ، فهو تشبيه للإعادة بالابتداء في تناول قدرة اللّه تعالى لهما على السواء وَعْداً عَلَيْنا أي وعدنا