الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

63

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

بالإعادة ، وعدا حقا علينا إنجازه بسبب الإخبار عن ذلك ، وتعلق العلم بوقوعه . إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ( 104 ) أي إنا سنفعل ذلك لا بد فوقوع ما علم اللّه وقوعه واجب . وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أي وباللّه لقد كتبنا في كتاب داود بعد ما كتبنا في التوراة ، أو لقد كتبنا في جميع كتب الأنبياء بعد ما أثبتنا في اللوح المحفوظ ، أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ( 105 ) . أي أن أرض الكفار يفتحها المسلمون ، وهذا حكم من اللّه بإظهار الدين ، وإعزاز المسلمين . إِنَّ فِي هذا أي في المذكور هذه السورة من البراهين الدالّة على التوحيد وصحة النبوة ، لَبَلاغاً أي لكفاية ، لِقَوْمٍ عابِدِينَ ( 106 ) أي عاملين بعلومهم وهم أهل الصلوات الخمس ، وشهر رمضان . وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) أي وما أرسلناك يا أشرف الخلق بالشرائع ، إلّا رحمة للعالمين أي إلّا لأجل رحمتنا للعالمين قاطبة في الدين والدنيا . فإن الناس في ضلالة وحيرة ، فبعث اللّه سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فبيّن صلّى اللّه عليه وسلّم سبيل الثواب وأظهر الأحكام ، وميّز الحلال من الحرام . وإن كل نبيّ قبل نبيّنا إذا كذّبه قومه ، أهلكم اللّه بالخسف ، والمسخ ، والغرق فاللّه تعالى أخّر عذاب من كذب نبينا إلى الموت ، ورفع عذاب الاستئصال عنهم به صلّى اللّه عليه وسلّم . قُلْ يا أكرم الرسل ، إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ، أي إنما يوحى إليّ وحدانية إلهكم ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 108 ) أي يا أهل مكة خصّصوا العبادة بإلهكم الواحد وهو اللّه تعالى ، فالاستفهام بمعنى الأمر . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ( 109 ) أي فإن أعرضوا عن توحيد المعبود ، فقل يا سيّد الرسل : إني أعلمتكم بأني محارب لكم على إعلان ، ولكن لا أدري متى يأذن اللّه لي محاربتكم . فتبيّن بهذا أن السورة مكية ، فإن الأمر بالجهاد كان بعد الهجرة إِنَّهُ تعالى ، يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ أي ما تجاهرون به من الطعن في الإسلام ، وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ ( 110 ) ، من الأحقاد للمسلمين ، ومن النفاق ، فيجازيكم عليه . وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 111 ) أي ما أدري لعلّ تأخير الجهاد استدراج وضرر لكم ، وتمتع لكم إلى انقضاء آجالكم . قالَ أي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقرأ حفص بصيغة الماضي . والباقون بصيغة الأمر : رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ أي احكم بيننا وبين أهل مكة بالعدل المستلزم لتعجيل العذاب وقد استجيب دعاؤه صلّى اللّه عليه وسلّم ، حيث عذّبوا في بدر ، وأحد ، والخندق ، وحنين . وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ أي كثير الرحمة على عباده ، الْمُسْتَعانُ أي المطلوب منه المعونة عَلى ما تَصِفُونَ ( 112 ) أي تقولون : إن الشوكة تكون لهم ، وإن راية الإسلام تخفق ثم تركد . فكذب اللّه ظنونهم وخذلهم ، ونصر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين .