الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

61

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

إن ملة الإسلام وهي التوحيد ، هي ملتكم أيها الناس ، حال كونها غير مختلفة فيما بين الأنبياء عليهم السلام ، أي يجب عليكم أن تكونوا عليها ، لا تنحرفوا عنها . وقرأ الحسن « أمتكم » بالنصب على البدل من هذه ، أو عطف بيان ، و « أمة » بالرفع خبران ، وبرفعهما معا خبرين . وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ( 92 ) أي وحّدوني واعرفوني أيها الكفار أو داوموا على عبادتي أيها المؤمنون . وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ أي تفرقوا في أمرهم بأن آمنوا بالبعض ، وكفروا بالبعض ، كُلٌّ ، من الثابت على الدين الحق ، والزائغ عنه إلى غيره ، إِلَيْنا راجِعُونَ ( 93 ) . فنجازيهم حينئذ بحسب أعمالهم . فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ أي الفرائض والنوافل ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ باللّه ورسله فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ ، أي لا حرمان لثواب عمله ، وَإِنَّا لَهُ أي لسعيه ، كاتِبُونَ ( 94 ) أي مثبّتون في صحائف أعمالهم . وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 95 ) . أي ممتنع على أهل قرية قدّرنا هلاكهم بالموت ، عدم رجوعهم إلينا للجزاء ، بأن يذهبوا تحت التراب باطلا من غير إحباس بالنعمة ، أو بالعذاب . أو المعنى : واجب على أهل قرية أهلكناها بالموت ، عدم رجوعهم عن الشرك ، وعن الدنيا ، فإن الحرام قد يجيء بمعنى الواجب كقوله تعالى : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [ الأنعام : 151 ] وترك الشرك واجب وليس بمحرّم . حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ، أي يستمرون على الهلاك ، حتى إذا قامت القيامة يرجعون إلينا ويقولون : يا ويلنا إلخ . أو لا يرجعون عن الكفر ، حتى إذا قامت القيامة يرجعون عنه حين لا ينفعهم الرجوع ، ويأجوج ومأجوج ، قبيلتان من الإنس ، والمراد حتى إذا فتحت سدّهما وذلك بعد نزول عيسى إلى الأرض ، وبين موت عيسى والنفخة الأولى ، قدر اثنتي عشرة سنة من السنين المعتادة . وقرأ ابن عامر بتشديد التاء . وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ( 96 ) أي والحال أن يأجوج ومأجوج من مكان مرتفع يخرجون . وقرأ ابن عباس « من كل جدث » أي والناس يخرجون من قبورهم ، فيحشرون إلى موقف الحساب . وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ، أي وهو البعث والحساب والجزاء فَإِذا هِيَ ، « فإذا » للمفاجأة تسد مسد الفاء ، فإذا دخلتها الفاء ، تعاونت على وصل الجزاء بالشرط ، وتأكدت ، والضمير للقصة ، وما بعده خبر مقدم أي فالقصة شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، أي أن القيامة إذا قامت ارتفعت أبصار هؤلاء من شدة الأهوال ، فلا تكاد تطرف من شدة ما يخافونه قائلين : يا وَيْلَنا أي يا هلاكنا ، تعال فهذا أوان حضورك ، قَدْ كُنَّا في الدنيا ، فِي غَفْلَةٍ تامة مِنْ هذا ، أي الذي أصابنا من البعث والجزاء ولم نعلم أنه حق ، بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ ( 97 ) . أي لم نكن غافلين عنه ، بل كنا ظالمين أنفسنا بتعمّد الكفر والإعراض عن الإيمان حيث كذبنا الرسل وعبدنا الأوثان . إِنَّكُمْ يا أهل مكة ، وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي من غير