الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
60
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
البحر ، فإن غرق واحد خير من أن تغرق السفينة ، فاقترعوا ثلاث مرات ، فوقعت القرعة فيها على يونس عليه السلام ، فقال : أنا الرجل العاصي والعبد الآبق ، وألقى نفسه في البحر ، فجاء حوت فابتعله ، فأوحى اللّه تعالى إلى ذلك الحوت لا تأكل له لحما ولا تهشم له عظما فإنه ليس رزقا لك ، وإنما جعلتك له سجنا فَنادى فِي الظُّلُماتِ أي في ظلمات بطن الحوت ، والبحر ، والليل ، وقيل : ابتلع حوته حوت آخر ، فحصل في ظلمتي بطن الحوتين ، وظلمة البحر والليل : أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أي بأنه ف « أن » مخففة من « أن » المشددة أو بمعنى أي سُبْحانَكَ أي أنزهك تنزيها لائقا بك من أن يعجزك شيء إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 87 ) بفراري من قومي بغير إذنك فكان ذلك ظلما ، فعوقب على ترك الأفضل الذي هو المكث فيهم صابرا على أذاهم فإنه خرج لا على تعمّد المعصية ، بل لظنه أن خروجه موسّع ، يجوز أن يقدّم ويؤخّر . فقد وصف يونس عليه السلام ربه ، بكمال الربوبية . ووصف نفسه بضعف البشرية ، والنقص في أداء حق الربوبية وهذا القدر يكفي في السؤال ولذا قال تعالى : فَاسْتَجَبْنا لَهُ دعاءه . وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من مكروب يدعو بدعوة ذي النون في بطن الحوت إلا استجيب له » . وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ بسبب كونه في بطن خطيئته ، فألقاه الحوت في الساحل من يومه أو بعد ثلاثة أيام ، وَكَذلِكَ ، أي كما أنجينا يونس من كرب الحبس إذ دعانا نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) من كربهم إذا استغاثوا بنا داعين بهذا الدعاء . وَزَكَرِيَّا ، أي واذكر خبره إِذْ نادى رَبَّهُ بقوله : رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً أي وحيدا بلا ولد يرثني إرث نبوّة وعلم ، وحكمة ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ( 89 ) . أثنى عليه السلام على ربه لأنه ينكشف عن علمه أن عاقبة الأمور راجعة إلى اللّه تعالى . فإنه تعالى الباقي بعد فناء الخلق . فَاسْتَجَبْنا لَهُ دعاءه وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى ، نبيا حكيما عظيما وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ ، للولادة بعد انتهائها إلى اليأس منها بحكم العادة . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : كان سن زكريا مائة ، وسن زوجته تسعا وتسعين إِنَّهُمْ أي زكريا وولده وأهله ، كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي في طاعة اللّه تعالى ، وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً أي يفزعون إلينا رغبة في ثوابنا ، ورهبة من عقابنا ، وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ ( 90 ) أي خائفين متواضعين في عبادتهم ، حذرين عن الانبساط في الأمور . وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها أي واذكر خبر مريم التي أحصنت فرجها إحصانا كليّا ، من أن يصل إليه أحد بحلال أو حرام جميعا . فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا ، أي فنفخنا الروح في عيسى فيها ، أي أحييناه في جوفها ، أي أجريناه فيه إجراء الهواء بالنفخ من جهة روحنا جبريل ، وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ( 91 ) . أما آيات مريم فظهور الحبل فيها لا من ذكر ، ورزقها كان يأتيها به الملائكة من الجنة ، وأنها لم تلتقم ثديا يوما قط . وتكلّمت في صباها ، كما تكلّم عيسى في صباه ، فجعلهما اللّه آية للناس ، فيستدلّون بما خصا به من الآيات على قدرته تعالى وحكمته . إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً أي