الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
57
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
العبد ، فإذا ظهر ترادا وحكم هذه المسألة في مذهب الشافعي أن الغنم إن كانت وحدها ولو بصحراء ، فأتلفت شيئا كزرع ، ليلا أو نهارا ضمنه ذو يد إن فرّط في ربطها أو إرسالها كأن ربطها بطريق ولو واسعا وكأن أرسلها ولو في نهار لمرعى بوسط مزارع فأتلفتها ، فإن لم يفرّط ، كأن أرسلها المرعى لم تتوسطه مزارع لم يضمن . ومذهب أبي حنيفة وأصحابه ، عدم الضمان بالليل والنهار ، إلا أن يكون معها سائق أو قائد وَسَخَّرْنا أي ذللنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ أي ينطقن بالتسبيح ، وكان داود يسبّح وحده فاللّه تعالى خلق فيها الكلام ، كما سبّح الحصى في كف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسمع الناس ذلك . وَالطَّيْرَ أي إذا ذكر داود عليه السلام ربّه ، ذكرت الجبال والطير ربّها معه ، وَكُنَّا فاعِلِينَ ( 79 ) أي إنا قادرون على أن نفعل هذا وإن كان عجبا عندكم ، أي مستغربا في اعتقادكم . وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ أي درع ، لَكُمْ أي لأجلكم يا أهل مكة ، فإن اللّه تعالى ألان الحديد لداود ، فكان يعمل منه بغير نار كأنه طين لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ أي لتحرسكم من الجرح ، والسيف ، والسهم ، والرمح . فقرأ شعبة : بالنون ، وابن عامر وحفص بالتاء ، فالضمير ل « لبوس » . والباقون بالياء التحتية ، فالضمير ل « داود » ، أو ل « لبوس » ، وهذا بدل اشتمال من « لكم » مبيّن لكيفية الاختصاص والمنفعة فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ( 80 ) أي اشكروا اللّه يأهل مكة على ما يسّر عليكم من هذه الصنعة بتصديق الرسل وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً أي شديدة الهبوب ، فإذا مرت بكرسيه عليه السلام ، أبعدت به في مدة يسيرة أي جعلنا الريح طائعة لسليمان ، فإن أرادها عاصفة كانت عاصفة ، وإن أرادها ليّنة كانت ليّنة تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها . قال الكلبي : كان سليمان عليه السلام وقومه ، يركبون عليها من إصطخر إلى الشام ، وإلى حيث شاء ، ثم يعود إلى منزله . قال وهب : كان سليمان عليه الصلاة والسلام ، إذا أخرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير ، وقام له الإنس والجن حين يجلس على سريره ، وكان امرأ غازيا قلّما كان يقعد عن الغزو ، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذلّه . وروي أن سليمان سار من أرض العراق فقال بمدينة بلخ متخللا بلاد الترك ، ثم جاوزهم إلى أرض الصين يغدو على مسيرة شهر ، ويروح على مثل ذلك ، ثم عطف يمينه على مطلع الشمس على ساحل البحر ، حتى أتى أرض السند وجاوزها ، وخرج منها إلى مكران ، وكرمان ، ثم جاوزها حتى أتى أرض فارس ، فنزلها أياما وغدا منها فقال بكسكر ثم راح إلى الشام وكان مستقره بمدينة يؤمر . وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ( 81 ) ، فنجري ما سخرنا له بحسب ما تقتضيه الحكمة وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ ، أي وسخرنا لسليمان من الشياطين الكافرين من يدخلون في البحار ويخرجون الجواهر منها له ، وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ ، أي غير ذلك من بناء المدن والقصور ، وصنع النورة ، والطواحين ، والقوارير ، والصابون ، والحمام ، لأن