الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
58
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
ذلك من استخراجاتهم وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ ( 82 ) ، حتى لا يخرجوا من أمره ، وحافظين من أن يفسدوا ما عملوا ، فكان دأبهم أنهم يعلمون بالنهار ، ثم يفسدونه في الليل ، ومن أن يهيّجوا أحدا على أحد في زمانه عليه السلام . وَأَيُّوبَ أي آتيناه حكما إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 83 ) . وكان أيوب عليه السلام روميا من ولد عيص بن إسحاق ، وكانت أمه من ولد لوط ، وكان اللّه تعالى قد جعله نبيا وقد أعطاه من الدنيا حظا وافرا من النعم ، والدواب ، والبساتين ، وأعطاه ولدا من رجال ونساء . وكان رحيما بالمساكين ، وكان يكفل الأيتام ، والأرامل ، ويكرم الضيف . فابتلاه اللّه تعالى بهلاك أولاده بهدم بيت عليهم ، وذهاب أمواله والمرض في بدنه ثماني عشرة سنة . فإنه خرج من فرقه إلى قدمه ثآليل ، وقد وقعت في جسده حكة لا يملكها ، وكان يحكّ بأظفاره حتى سقطت أظفاره ، ثم حكّها بالمسوح الخشنة ، ثم حكها بالفخار والحجار ولم يزل يحكّها حتى تقطع لحمه وأنتن ، فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة ، وجعلوا له عريشا . روي أن امرأته ما خير بنت ميشا بن يوسف عليه السلام ، أو رحمة بنت إفرايم بن يوسف ، قالت له يوما : لو دعوت اللّه تعالى . فقال : كم كانت مدة الرخاء ؟ فقالت : ثمانين سنة . فقال : أستحي من اللّه أن أدعوه ، وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي . وروي أن إبليس أتاها على هيئة عظيمة فقال : أنا إله الأرض فعلت بزوجك ما فعلت ، لأنه تركني وعبد إله السماء لو سجدت لي سجدة لرجعت المال والولد وعافيت زوجك . فرجعت إلى أيوب وكان ملقى في الكناسة ، لا يقرب منه أحد ، فأخبرته بالقصة فقال عليه السلام : « كأنك افتتنت بقول اللعين لئن عافاني اللّه تعالى لأضربنّك مائة سوط ، وحرام علي أن أذوق بعد هذا شيئا من طعامك وشرابك ، فطردها ، فذهبت ، فبقي طريحا في الكناسة لا يحوم حوله أحد من الناس ، فلما نظر أيوب شأنه وليس عنده طعام ، ولا شراب ولا صديق ، وقد ذهبت امرأته خرّ ساجدا فقال : رب أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . فقال تعالى : ارفع رأسك فقد استجبت لك ، اركض برجلك ، فركض برجله ، فنبعت من تحته عين ماء فاغتسل منها ، فلم يبق في ظاهر بدنه دابة إلا سقطت منه ، ولا جراحة إلا برئت ، ثم ركض برجله مرة أخرى ، بعد أن مشى أربعين خطوة فنبعت عين أخرى فشرب منها ، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج ، وعاد صحيحا ، ورجع إليه شبابه وجماله حتى صار أحسن ، ثم كسي حلّة فلما قام جعل يلتفت فلا يرى شيئا مما كان له من الأهل والولد ، والمال ، إلا وقد ضاعفه اللّه تعالى ، حتى روي أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جرادا من ذهب ، فخرج حتى جلس على مكان مشرف . ثم إن امرأته قالت في نفسها : هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت جوعا وتأكله السباع ، لأرجعنّ إليه ، فلما رجعت ما رأت تلك الكناسة ، ولا تلك الحال وقد تغيرت الأمور ، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي وهابت صاحب الحلّة أن تأتيه وتسأله