الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

56

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

مسلم عطف على قوله : آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ ، وآتينا لوطا . وَعِلْماً لائقا به وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ أي من أهل قرية سذوم . الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ ، أي التي كان أهلها قبل إنجائنا له منها ، يعملون الأعمال الخبائث من اللواط ، ورمي المارة بالبندق ، واللعب بالطيور ، والتضارط في أنديتهم ، وغير ذلك . إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ أي قوما يحزنون الناس بأفعالهم ، فاسِقِينَ ( 74 ) أي خارجين من كل خير وَأَدْخَلْناهُ أي لوطا فِي رَحْمَتِنا ، بأن فتحت عليه أبواب المكاشفات ، وتجلّت له أنوار الإلهية ، إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 75 ) أي من المستعدّين لقبول ذلك وللدخول فيه . وَنُوحاً عطف على قوله : ولوطا وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً إِذْ نادى ، أي دعا على قومه بالعذاب ، بدل اشتمال من نوحا مِنْ قَبْلُ أي من قبل هؤلاء المذكورين ، فَاسْتَجَبْنا لَهُ الدعاء ، فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ ، أي أهل دينه مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ( 76 ) وهو الغرق وأذية قومه . وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ ، أي عصمناه من مكروه القوم كما قاله المبرد . وقال أبو عبيدة : من بمعنى على ، كقراءة أبيّ ابن كعب ونصرناه على القوم ، الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ، الدالة على رسالته عليه السلام إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ لأجل تكذيبهم له ، فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ( 77 ) بالطوفان لإصرارهم على تكذيب الحق ، ولانهماكهم في الشرّ وهذا بيان للوجه الذي خلّصه اللّه منهم به . وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ أي آتيناهما حكما إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ أي في حق الزرع ، إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ أي انتشرت في الزرع غنم القوم في الليل ترعى بلا راع ، وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ أي داود وسليمان شاهِدِينَ ( 78 ) أي إنما حكما بإرشادنا لهما وأوقع الجمع موقع التثنية مجازا ، ويدل على ذلك قراءة ابن عباس لحكمهما بصيغة التثنية . فَفَهَّمْناها أي الفتيا سُلَيْمانَ وَكُلًّا أي كل واحد منهما ، آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً ، كثيرا . روي أنه دخل على داود عليه السلام ، رجلان فقال أحدهما : إن غنم هذا دخلت في حرثي ليلا فأفسدته ، وما أبقت منه شيئا . فقال داود عليه السلام : اذهب فإن الغنم لك . وقد روي أنه لم يكن بين قيمة الحرث ، وقيمة الغنم تفاوت ، فخرجا ، فمرا على سليمان عليه السلام ، وهو ابن إحدى عشرة سنة ، فقال : كيف قضي بينكما ؟ فأخبراه بذلك ، فقال : لو كنت أنا القاضي لقضيت بغير هذا وهو أرفق بالفريقين ، فأخبرا بذلك داود عليه السلام ، فدعاه وقال : كيف تقضي بينهما ؟ فقال : ادفع الغنم إلى صاحب الحرث ، فيكون له منافعها من الدّر ، والنسل ، والصواف ، وأدفع الحرث إلى أرباب الغنم ليقوموا عليه حتى يعود كهيئته يوم أكل ، ثم دفعت الغنم إلى أهلها وقبض صاحب الحرث حرثه فقال داود : القضاء ما قضيت ، وأمضى الحكم بذلك . ورأى داود قياس ، كما أن العبد إذا جنى على النفس ، يدفعه المولى إلى المجني عليه ، أو يفديه عند أبي حنيفة ببيعه في ذلك ، أو يفديه عند الشافعي . ورأى سليمان استحسان كما قال أصحاب الشافعي ، فيمن غصب عبدا فأبق منه ، أنه يضمن القيمة فينتفع بها المغصوب منه ، بإزاء ما فوّته الغاصب من منافع