الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
55
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
وروي أنهم لما اجتمعوا على إحراقه عليه السلام بنوا له حظيرة في قرية كوثي ، فجمعوا له أصناف الحطب شهرا ، وأوقدوا نارا سبعة أيام ، حتى لو مرّ الطير في أقصى الهواء لاحترق ، ثم أخذوا إبراهيم فقيدوه ورفعوه على رأس البنيان ، ووضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا فرموه به في النار ، فجعل اللّه الحظيرة روضة وذلك قوله تعالى : قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ( 69 ) أي أبردي بردا غير ضارّ ومكث إبراهيم في النار سبعة أيام . وكان عنده عين ماء عذب ، وورد أحمر ، ونرجس ، وأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة ، وقال : يا إبراهيم ، إن ربك يقول أما علمت أن النار لا تضرّ أحبابي ولم تحرق النار منه إلّا وثاقه ، فإن اللّه تعالى أزال عنها ما فيها من الحر والإحراق ، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق . وروي أنهم أوقدوا عليه النار سبعة أيام بعد إلقائه في ذلك البنيان ، ثم أطبقوا عليه ، ثم فتحوا عليه من الغد ، فإذا هو غير محترق ، ويعرق عرقا فقال لهم هاران - أبو لوط عليه السلام - : إن النار لا تحرقه لأنه سحر النار ، ولكن اجعلوه على شيء وأوقدوا النار تحته فإن الدخان يقتله فجعلوه فوق بئر وأوقدوا النار تحته ، فطارت شرارة فوقعت في لحية أبي لوط فأحرقته . وَأَرادُوا بِهِ أي إبراهيم كَيْداً أي مكرا عظيما في الإضرار به ، فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ ( 70 ) فإنهم خسروا السعي والنفقة فلم يحصل لهم مرادهم ، وهلكوا بإرسال اللّه عليهم البعوض ، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم ودخلت في دماغ نمروذ بعوضة فأهلكته وَنَجَّيْناهُ أي إبراهيم من النار . وَلُوطاً ابن أخيه هاران الأصغر من الخسف وكان لهما أخ ثالث اسمه ناخور ، والثلاثة أولاد آزر . وأما هاران الأكبر فكان عما لإبراهيم ، وكانت سارة بنت عم إبراهيم ، الذي هو هاران الأكبر . إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ( 71 ) في الدين والدنيا أي بلغناهما من العراق ، إلى الشام فنزل إبراهيم بفلسطين ، ونزل لوط بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة . وسبب بركة في الدين ، لأن أكثر الأنبياء بعثوا منها ، فانتشرت شرائعهم فيها وفي الدنيا لأن اللّه تعالى بارك فيها بكثرة الماء والشجر والثمر . وَوَهَبْنا لَهُ أي لإبراهيم عليه السلام إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أي وهبناهما لإبراهيم نافِلَةً أي عطية وفضلا من غير أن يكون جزاء مستحقا ، ف « نافلة » منصوب على المصدر . وَكُلًّا أي كل واحد من هؤلاء الأربعة ، جَعَلْنا صالِحِينَ ( 72 ) في الدين والدنيا فصاروا كاملين . وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يقتدى بهم في أمور الدنيا ، يَهْدُونَ أي يدعون الناس إلى الخيرات بِأَمْرِنا وإذننا ، وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ ، أي أن يعملوا الشرائع هم وأتباعهم ، وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وهذان من عطف الخاص على العام ، دلالة على إنافتهما فإن الصلاة أفضل العبادات البدنية ، والزكاة أفضل العبادات المالية . وَكانُوا لَنا عابِدِينَ ( 73 ) أي مخلصين في العبادة لا يخطر ببالهم غير عبادتنا . وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً أي فصلا بين الخصوم . قال الزجّاج : أي هذه الجملة عطف على قوله : وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ . وقال أبو