الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

38

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

ذهب إليه السامري ، عاد إلى بيان الدين الحق فقال : إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ أي إنما معبودكم المستحق للعبادة اللّه ، الَّذِي لا إِلهَ أي لا معبود لشيء من الأشياء موجود ، إِلَّا هُوَ ، وحده من غير أن يشاركه شيء من الأشياء . وقرئ « اللّه لا إله إلا هو الرحمن رب العرش » ، وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ( 98 ) ، أي وسع علمه كل شيء فيعلم من يعبده ومن لا يعبده . كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ ، أي نقص عليك يا أشرف الخلق - من الحوادث الماضية الجارية على الأمم الخالية - قصا مثل ذلك القصّ المارّ ، زيادة في معجزاتك ، وليكثر الاعتبار للمكلّفين بها في الدين . وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً ( 99 ) أي ولقد أعطيناك من عندنا قرآنا مشتملا على هذه الأخبار . مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ أي عن ذلك الذكر ، فَإِنَّهُ أي المعرض عنه ، يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً ( 100 ) أي عقوبة ثقيلة ، خالِدِينَ فِيهِ أي في حمل العقوبة ، وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا ( 101 ) ، أي بئس لهم حملا عقوبتهم ، أو بئس ما حملوا على أنفسهم من الإثم كفرا بالقرآن . يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ، النفخة الثانية . قرأ الجمهور بالياء المضمومة ، وفتح الفاء ، وقرأ أبو عمرو بنون مفتوحة ، وضم الفاء ، على إسناد النفخ إلى الآمر به تعظيما له ، وقرئ بالياء المفتوحة ، والضمير للّه تعالى ، أو لإسرافيل ، وإن لم يجر ذكره لشهرته . وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ أي المشركين ، يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ ينفخ في الصور زُرْقاً ( 102 ) أي زرق العيون ، سود الوجوه ، لأن زرقة العيون أبغض ألوان العين إلى العرب ، أو عميا ، لأن حدقة الأعمى تزرق ، أو عطاشا لأنهم من شدة العطش ، يتغيّر سواد عيونهم حتى تزرق ، أو طامعين فيما لا ينالونه . يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ ، أي يقول بعضهم لبعض بطريق المخافتة لما يملأ صدورهم من الرعب ، إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً ( 103 ) أي ما مكثتم في القبور إلّا عشرة أيام ، لأنهم يرون من شدة أهوال ذلك اليوم ، ما يقلل ذلك في أعينهم ، فهم يحسبون أنهم ما لبثوا في القبور إلّا عشرة أيام ، وهم حين يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك ، اعترافا به ، وتحقيقا لسرعة وقوعه ، كأنهم قالوا قد بعثتم ، وما لبثتم في القبور ، إلا مدة يسيرة . نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ في ذلك اليوم أي ليس كما قالوا . إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً . أي أصوبهم رأيا إِنْ لَبِثْتُمْ ، أي ما مكثتم في القبور ، إِلَّا يَوْماً ( 104 ) ، ونسبة هذا القول إلى أفضلهم عقلا لكونه أدلّ على شدة الهول . وَيَسْئَلُونَكَ أي يسألك يا أشرف الخلق ، مشركو مكة على سبيل الاستهزاء ، أو بنو ثقيف ، عَنِ الْجِبالِ أي عن أمر الجبال كيف تكون يوم القيامة ، فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ( 105 ) ، أي يصير الجبال كالرمل ، ثم يرسل عليها الرياح ، فَيَذَرُها أي فيترك الأرض بعد قلع الجبال ، قاعاً أي مستويا صَفْصَفاً ( 106 ) أي ملساء لا نبات فيها ، لا تَرى فِيها أي الأرض عِوَجاً أي لا تدرك فيها انخفاضا وَلا أَمْتاً ( 107 ) أي نتوءا يسيرا . يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ ، أي يوم إذ نسفت الجبال ، يتبع الناس