الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

39

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

صوت الداعي إلى المحشر بعد القيام من القبور ، فيقبلون من كل أوب إلى جهته . والراجح أن الداعي : جبريل ، والنافخ : إسرافيل ، لا عِوَجَ لَهُ ، أي لا يعدل الداعي عن أحد بدعائه ، بل يحشر الكل . وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ ، أي سكنت لِلرَّحْمنِ ، أي لهيبة الرحمن . فَلا تَسْمَعُ ، يا أشرف الخلق ، إِلَّا هَمْساً ( 108 ) ، أي وطأ خفيا كوطء الإبل - وهو خفق أقدامهم في مشيها إلى المحشر - وهذا قول ابن عباس ، والحسن ، وعكرمة ، وابن زيد . يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ( 109 ) أي يوم إذ يتبعون الداعي ، لا تنفع الشفاعة أحدا من الخلق ، إلا شخصا أذن لأجله في أن يشفع له ، وقبل منه قولا واحدا من أقواله ، وهو شهادة « أن لا إله إلا اللّه » ، بأن مات على الإسلام وإن عمل السيئات ، وهذه الآية من أقوى الدلائل على ثبوت الشفاعة في حق الفسّاق وهي نافعة لهم . يَعْلَمُ ، أي الرحمن ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، أي المتبعين للداعي وهم الخلق جميعهم ، وَما خَلْفَهُمْ أي يعلم ما مضى من أحوالهم وما بقي منها ، وَلا يُحِيطُونَ بِهِ ، أي بما بين أيديهم وما خلفهم عِلْماً ( 110 ) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ، أي ذلّت المكلفون للّه تعالى ذلّ الأسارى في يد الملك القهار . وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ( 111 ) ، أي خسر من أشرك باللّه ولم يتب . وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ ، أي بعضا من الصالحات وهو الفرائض ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فإن الإيمان شرط في الصحة والقبول . فَلا يَخافُ ظُلْماً أي منعا من الثواب ، وَلا هَضْماً ( 112 ) أي نقصا من ثوابه . وقال أبو مسلم : الظلم : نقص من الثواب ، والهضم : عدم تمام حقه من التعظيم ، لأن الثواب مع كونه من اللذات ، لا يكون ثوابا ، إلا إذا قارنه التعظيم . فنفى اللّه تعالى عن المؤمنين كلا الأمرين . وقرأ ابن كثير : « فلا يخفّ » بالجزم على النهي ، أي فليأمن فالنهي عن الخوف والأمر بالأمن . وَكَذلِكَ ، ومثل إنزال هذه الآيات ، أَنْزَلْناهُ ، أي القرآن كله قُرْآناً عَرَبِيًّا ليفهمه العرب ، وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ ، أي وكرّرنا في القرآن نوعا من الوعيد ، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . أي لكي يتقوا الكفر والفواحش . أَوْ يُحْدِثُ ، أي القرآن لَهُمْ ذِكْراً ( 113 ) . أي اتعاظا يدعوهم إلى الطاعات ، وفعل ما ينبغي ، فإن لم يحصل التقوى ، فأقلّ ما يحصل أن يحدث القرآن لهم شرفا وصيتا حسنا . فَتَعالَى اللَّهُ أي تنزّه عن مماثلة المخلوقات في ذاته ، وصفاته ، وأفعاله . الْمَلِكُ ، النافذ أمره ونهيه ، الْحَقُّ ، أي الثابت في ملكه . وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ . أي ولا تستعجل يا أشرف الخلق بقراءة القرآن ، من قبل أن يفرغ جبريل من قراءة القرآن عليك . كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذا ألقى إليه جبريل الوحي ، يتبعه عند تلفّظ كل حرف ، وكل كلمة ، لكمال اعتنائه بالحفظ ، فنهي عن ذلك ، وأمر باستزادة العلم من اللّه تعالى فقيل : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ( 114 ) أي فهما لإدراك حقائقه ، فإنها غير متناهية .