الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
37
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
موسى : وما رأيت دونهم ؟ قال : رأيت جبريل لما نزل على دابة الحياة فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ، أي حفنة من تربة موطئ فرس الملك الذي أرسل إليك ليذهب بك إلى الطور للمناجاة ، وأخذ التوراة . وقرأ الحسن « قبضة » بضم القاف . وقرئ « قبصت قبصة » ، بالصاد المهملة ، فالضاد المعجمة للأخذ بجميع الكف ، والمهملة للأخذ بأطراف الأصابع . فَنَبَذْتُها أي فطرحت المأخوذ في فم العجل المصوغ ودبره فخار ، أو في الحلي المذابة . قال أبو مسلم الأصفهاني : إن موسى عليه السلام ، لما أقبل على السامري باللوم على الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في باب العجل ، فقال : بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ إلخ . أي عرفت أن الذي أنتم عليه ليس بحق . وقد كنت أخذت شيئا من سنتك أيها الرسول فطرحتها ، وعلى هذا فالمراد بالأثر : الدين ، وبالرسول : سيدنا موسى عليه السلام . قال الرازي : وهذا القول أقرب إلى التحقيق لأن جبريل لم يجر له فيما تقدم ذكره ، وليس بمشهور عندهم باسم الرسول ولأن إضمار الكلام خلاف الأصل ، ولأن جبريل ربّى السامري حال طفولته فلا يعرفه ، ولو عرفه بعد البلوغ لعرف قطعا أن موسى عليه السلام نبي صادق ، ولأنه لو جاز اطلاع بعض الكفرة أن تراب فرس جبريل له خاصية الإحياء ، لأطلع موسى عليه السلام على شيء آخر يشبه ذلك ، فلأجله أتى بالمعجزات . وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ( 96 ) ، أي وزينت لي نفسي تزينا كائنا مثل ذلك التزيين الذي فعلته من القبص ، والنبذ ، فالمعنى لم يدعني إلى ما فعلته أحد غيري ، بل اتبعت هواي فيه . قالَ له موسى : فَاذْهَبْ يا سامري من بين الناس ، فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ ، أي فإن قولك لا مساس ثابت لك في مدة حياتك لا ينفك عنك ، فكان يصيح بأعلى صوته : لا مساس ، أي إني لا أمسّ ولا أمسّ ، وإذا مسّه أحدّهم أخذت الحمّى الماسّ والممسوس ، فكان إذا أراد أحد أن يمسّه صاح خوفا من الحمى ، وقال : لا مساس . وحرّم موسى عليهم مكالمته ، ومبايعته ، وغيرها مما يعتاد جريانه فيما بين الناس ، فكان يهيم في البرية مع السباع والوحوش ، ويقال : إن موسى همّ بقتل السامري ، فقال اللّه تعالى : « لا تقتله فإنه سخي » . وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لعذابك في الآخرة لَنْ تُخْلَفَهُ . قرأ أهل المدينة والكوفة ، بفتح اللام أي لن يخلفك اللّه ذلك الوعد . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو والحسن بكسر اللام ، أي لن تجد للوعد خلفا ولن يتأخر عنك . وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً ، أي الذي أقمت عابدا على إلهك ثم لَنُحَرِّقَنَّهُ بالنار . ويؤيده قراءة « لنحرقنّه » بضم النون ، وسكون الحاء أو « لنبردنّه » بالمبرد ، ويعضده قراءة أبي جعفر ، وابن محيصن « لنحرقنّه » بفتح النون ، وضم الراء ، أي لنبردنّه بعد أن أحميه بالنار ، حتى لان فهان على المبارد . ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً ( 97 ) أي لنذرينّه في هواء البحر ذروا إذا صار رمادا ، أو مبرودا ، كأنه هباء . ولقد فعل موسى عليه السلام ذلك كله حينئذ ، فلما فرغ موسى من إبطال ما