الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
36
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
واعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الطرق ، لأنه زجرهم عن الباطل : أولا : بقوله : إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ، وهو إزالة الشبهات - لأنه لا بدّ قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق - ثم دعاهم إلى معرفة اللّه تعالى . ثانيا : بقوله : وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ ، لأنها الأصل ، وإنما خصّ هذا الموضع باسم الرحمن ، لأنه عليه السلام كان ينبئهم ، بأنهم متى تابوا قبل اللّه توبتهم ، لأنه هو الرحمن كما خلصهم من آفات فرعون برحمته ، ثم دعاهم . ثالثا : إلى معرفة النبوة بقوله : فاتبعوني ، ثم دعاهم . رابعا : إلى الشريعة بقوله : وَأَطِيعُوا أَمْرِي ، ثم إنهم لجهلهم وتقليدهم قابلوا هذا الترتيب الحسن في الاستدلال ، بقولهم لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى فجحدوا قول هارون كما هو عادة المقلّد . فكأنهم قالوا : لا نقبل حجّتك ، ولكن نقبل موسى . روي أنهم لما قالوا ذلك : اعتزلهم هارون عليه السلام ، في اثني عشر ألفا ، وهم الذين لم يعبدوا العجل . قالَ موسى : يا هارُونُ حين سمع جوابهم له وهو مغتاظ : ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ( 92 ) بعبادة العجل ، أَلَّا تَتَّبِعَنِ في حالي الغضب للّه تعالى ، والمقاتلة مع من كفر به ، أي أيّ شيء دعاك إلى أن لا تتبعني في سيرتي من الأخذ على يد الظالم طوعا أو كرها ، فلم تركت قتالهم وتأديبهم ، وتركت وصيتي ، وأنت نبي اللّه ، وأخي ، ووزيري ، وخليفتي في قومي ؟ وأثبت الياء بعد النون ابن كثير ، وقفا ووصلا ، وأثبتها نافع وأبو عمرو ، وصلا لا وقفا ، وحذفها الباقون وصلا ووقفا أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ( 93 ) ، أي ألم تتبعني وعصيت أمري ؟ وأمره عليه السلام هو ما حكاه اللّه تعالى عنه في قوله تعالى : وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ فلما أقام هارون معهم ولم يبالغ في منعهم ، نسبه إلى مخالفة أمره . قالَ هارون لموسى : يَا بْنَ أُمَّ ذكر هارون أمه ، مع أن موسى أخوه الشقيق ، ترقيقا لقلبه . قرأ حمزة والكسائي بكسر الميم لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي ، أي ولا بشعر رأسي . روي أن موسى عليه السلام أخذ شعر رأس هارون بيمينه ولحيته بشماله من فرط غضبه للّه . إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ ، برأيك بسبب القتال تفريقا لا يرجى بعده الاجتماع . وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ( 94 ) ، أي ولم تنتظر قدومي ، فمن ذلك تركت القتال معهم . وإني رأيت أن الإصلاح ، في المداراة معهم إلى أن ترجع إليهم لتكون أنت المتدارك للأمر حسبما رأيت ، قالَ موسى عليه السلام للسامري موبخا له بعد سماع الاعتذارين : فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ( 95 ) أي فيما شأنك الداعي إلى ما صنعت ، وما مطلوبك مما فعلت من عبادة العجل ؟ قالَ أي السامري مجيبا له عليه السلام : بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ، بضم الصاد فيهما . وقرأ حمزة والكسائي ، بالتاء على خطاب موسى وقومه ، أي رأيت ما لم يره بنو إسرائيل ، قال له