الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

35

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

قال ابن عباس : لا ، واللّه ما كان له صوت قط ، وإنما كان الريح يدخل في دبره فيخرج من فيه ، فكان ذلك الصوت من ذلك . فَقالُوا أي السامري ومن تبعه في بادئ الرأي لمن توقف من بني إسرائيل : هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ ( 88 ) ، أي موسى أن إلهه هنا فيطلبه في الطور . وفي موضع آخر أو فنسي السامري الاستدلال على حدوث الأجسام ، وأن الإله لا يحلّ في شيء ولا يحل فيه شيء . أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ أي العجل ، إِلَيْهِمْ قَوْلًا . أي ألا يتفكر السامري وأصحابه فلا يعلمون أنه لا يرجع إليهم كلاما . وقرئ « يرجع » بالنصب ، أي ألا ينظرون فلا يبصرون عدم رجعه إليهم ، قولا من الأقوال ، و « أن » الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين . وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ( 89 ) أي ، ولا يقدر العجل على أن يدفع عنهم ضرا ، ولا أن يجرّ لهم نفعا فيخافوا كما يخافون فرعون ، ويرجوا منه كما يرجون من فرعون ، فكيف يقولون ذلك ؟ وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ ، أي من قبل مجيء موسى عليه السلام : يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ، أي أوقعتم في الفتنة بالعجل ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ أي إن ربكم المستحق للعبادة هو الرحمن . وإنما قال هارون ذلك شفقة منه على نفسه ، وعلى الخلق . كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أصبح وهمّه غير اللّه فليس من اللّه في شيء ، ومن أصبح لا يهتمّ بالمسلمين فليس منهم » « 1 » . و يروى : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جالس ومعه أصحابه ، إذ نظر إلى شاب على باب المسجد فقال : « من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا » « 2 » ، فسمع الشاب ذلك فولّى ، فقال : إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد عليّ بأني من أهل النار ، وأنا أعلم أنه صادق ، فإذا كان الأمر كذلك ، فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتشعل النار بي حتى تبرّ يمينه ، ولا تشعل النار بأحد آخر . فهبط جبريل عليه السلام وقال يا محمد : بشّر الشاب بأني قد أنقذته من النار بتصديقه لك ، وفدائه أمتك بنفسه ، وشفقته على الخلق . قالُوا في جواب هارون عليه السلام : لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ ، أي لن نزال مقيمين على عبادة العجل ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ( 91 ) . جعلوا رجوع موسى عليه السلام إليهم ، غاية لعكوفهم على عبادة العجل بطريق التعلل والتسويف ، وقد دسّوا تحت ذلك ، أن موسى لا يرجع بشيء مبين اعتمادا على مقالة السامري .

--> ( 1 ) رواه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ( 7 : 2530 ) ، والحاكم في المستدرك ( 4 : 320 ) ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ( 8 : 84 ) ، والمتقي الهندي في كنز العمال ( 43706 ) ، وأبو نعيم في حلية الأولياء ( 3 : 48 ) . ( 2 ) رواه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ( 9 : 529 ) ، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار ( 4 : 282 ) .