الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
30
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
افْتَرى ( 61 ) على اللّه . فَتَنازَعُوا أي السحرة ، أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ، أي تشاوروا ليستقروا على شيء واحد حين سمعوا كلام موسى عليه السلام ، وَأَسَرُّوا النَّجْوى ( 62 ) من فرعون وملئه ، فقالوا في نجواهم : إن غلب علينا موسى آمنا به . ثم قالُوا بطريق العلانية ، أي قال السحرة ، وقيل : قال لهم فرعون ومن معه : إِنْ هذانِ لَساحِرانِ . قرأ ابن كثير وحفص بسكون النون من « إن » ، وشدّدها الباقون . وشدّد ابن كثير نون « هذان » ، وقرأ عمرو « هذين » بالياء . يُرِيدانِ أي موسى وهارون ، أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ، أي أرض مصر ، بِسِحْرِهِما الذي أظهراه لكم ، وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى ( 63 ) ، أي يذهبا دينكم ، الذي هو أفضل الأديان بإعلاء دينهما . أو يقال : يذهبا بإشراف قومكم بميلهم إليهما لغلبتهما - وهم بنو إسرائيل - فإنهم ذوو علم ومال . فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ . وقرأ أبو عمرو بفتح الميم ، وبوصل الهمزة ، أي فأجمعوا أدوات سحركم فلا تتركوا شيئا منها . وقرأ الباقون بكسر الميم ، وقطع الهمزة ، أي ليكن عزمكم مجمعا عليه لا تختلفوا ، ثُمَّ ائْتُوا للقاء موسى وهارون ، صَفًّا ، أي مصطفين مجتمعين لكي يكون الصف أنظم لأمركم ، وأشد لهيبتكم . قال ابن عباس : كانوا اثنين وسبعين ساحرا مع كل واحد منهم حبل وعصا . وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ( 64 ) ، أي وقد فاز بالمطلوب من غلب . ومرادهم بالمطلوب الأجر والتقريب من فرعون على ما وعدهم بذلك . ومرادهم بمن غلب أنفسهم جميعا ، أو من غلب منهم حثا لهم على بذل المجهود في المغالبة . قالُوا أي السحرة لموسى : يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى ( 65 ) ، أي اختر إما إلقاءك ما معك قبلنا ، وإما القاءنا ما معنا قبلك . وهذا التخيير حسن أدب منهم ، وتواضع لموسى عليه السلام ، لأن لين القول مع الخصم إن لم ينفع ، لم يضر ، بل نفعهم ، ولذلك رزقهم اللّه تعالى الإيمان ببركته . ثم إن موسى عليه السلام ، قابل أدبهم بأدب أحسن من أدبهم ، حيث بتّ القول بإلقائهم أولا لأنه فهم أن مرادهم الابتداء . قالَ بَلْ أَلْقُوا ، أي قال لهم موسى : لا ألقي أنا أولا بل ألقوا أنتم أولا إن كنتم محقين ، فألقوا ما معهم من الحبال والعصي ، ميلا من هذا الجانب ، وميلا من هذا الجانب . فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أي موسى ، مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها حيات تَسْعى ( 66 ) . « فإذا » ظرفية تطلب متعلقا ينصبها من فعل المفاجأة ، وجملة ابتدائية تضاف إليها . أي ففاجأ موسى إذا حبالهم وعصيهم ، مخيلة إلى موسى السعي ، كسعي ما يكون حيا من الحيات ، من أجل سحرهم ، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق ، فلما ضربت عليه الشمس ، اضطربت واهتزت فخيّل إليه أنها تتحرك فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ( 67 ) أي أضمر موسى في قلبه بعض خوف من أن لا يظفر بهم ، فيقتلون من آمن به عليه السلام قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ( 68 ) ، أي الغالب عليهم .