الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
31
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
وقيل : إن موسى خاف من مفاجأته بمقتضى طبع البشرية من النفرة من الحيات ، ومن الاحتراز من ضررها المعتاد من اللسع ونحوه ، فإن خوف البشرية مركوز في جبلّة الإنسان ، وذلك مثل ما خاف من عصاه أول ما رآها . ولذلك قال تعالى : إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى أي أعلى درجة من أن تخاف من المخلوقات دون الخالق . وَأَلْقِ ، على الأرض ما فِي يَمِينِكَ ، يا موسى وإنما لم يقل وألق عصاك تعظيما لشأنها ، أي لا تحفل بهذه الأجرام فإن في يمينك شيئا أعظم منها كلها ، وهذه على كثرتها أقل شيء عنده ، فألقه ، تَلْقَفْ ما صَنَعُوا ، أي تلقم ما طرحوا من الحبال والعصي ، الذي خيل إليك سعيها وخفتها . وقرأ ابن عامر « تلقّف » بتشديد القاف ، وبالرفع . والعامة بالجزم ، وحفص بسكون اللام وبالجزم إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ أي لأن الذي صنعوه عمل ساحر . وقرأ حمزة ، والكسائي و « كيد سحر » بكسر ، فسكون ، على أن الإضافة للبيان . وقرأ مجاهد ، وحميد ، وزيد بن علي ، بنصب « كيد ساحر » ، على أنه مفعول به ، و « ما » كافة مزيدة ، وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ ، أي لا يحصل له مقصوده بالسحر خيرا كان أو شرا ، حَيْثُ أَتى ( 69 ) أي أينما كان ، وهذا من تمام التعليل . فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً أي فألقى موسى عصاه ، فتلقّفت حبال السحرة وعصيّهم فسجدوا ، فإنهم من سرعة سجودهم كأنهم ألقوا ، فما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيّهم للكفر والجحود ، ثم ألقوا رؤوسهم للشكر والسجود . روي أنهم في سجودهم رأوا الجنة ، ومنازلهم التي يصيرون إليها ، ثم رفعوا رؤوسهم ، قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى ( 70 ) قال رئيسهم : كنا نغالب الناس بالسحر ، وكانت الآلات تبقى علينا لو غلبنا ، فلو كان هذا سحرا فأين ما ألقيناه ؟ ! قالَ لهم فرعون : آمَنْتُمْ لَهُ أي لموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أي من غير أن آذن لكم في الإيمان له ، إِنَّهُ أي موسى لَكَبِيرُكُمُ أي أستاذكم ، الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ، وأنكم تلامذته في السحر ، فتوافقتم على أن تظهروا العجز من أنفسكم ترويجا لشأنه وتفخيما لأمره ، فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ، أي في حال كونها مختلفات ، والقطع من خلاف ، أن تقطع اليد اليمنى ، والرجل اليسرى ، لا كل واحد من العضوين ، فإن هذا يد ، وذاك رجل ، وهذا يمين وذاك شمال ، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ، أي عليها ، وأتى بكلمة « في » ، للدلالة على إبقائهم عليها زمانا مديدا ، تشبيها لاستمرارهم عليها باستقرار المظروف في الظرف ، وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أي أنا أو موسى ، أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى ( 71 ) . وهذا لقصد توضيع موسى عليه السلام والهزء به ، لأنه عليه السلام لم يكن من التعذيب في شيء . أو لإرادة أن إيمانهم كان على خوف من موسى ، حيث رأوا ابتلاع عصاه لحبالهم وعصيهم ، فخافوا على أنفسهم أيضا ، وفي ذلك تبجّح فرعون بما ألفه من تعذيب الناس بأنواع العذاب . قالُوا : أي السحرة لفرعون غير مكترثين بوعيده : لَنْ نُؤْثِرَكَ ، أي لن نختار اتباعك عَلى ما جاءَنا من اللّه تعالى على يد موسى عليه السلام ، مِنَ