الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

3

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

الجزء الثاني سورة مريم مكية ، ثمان وتسعون آية ، تسعمائة واثنتان وستون ثلاثة آلاف وثلاثمائة وحرفان كهيعص ( 1 ) وهو من المتشابه الذي انفرد اللّه تعالى بعلمه ، وقيل : هو ثناء من اللّه على نفسه ، وهو وصفه تعالى بأنه كاف لخلقه ، هاد لعباده ، يده فوق أيديهم ، عالم بأمرهم ، صادق في وعده . ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ، فإن جعلت كهيعص اسما للسورة على ما عليه اتفاق أكثر العلماء ، فهي مبتدأ وخبره ذِكْرُ أي المسمى كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( 2 ) ، أي إصابة اللّه رحمته عبده زكريا . إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ( 3 ) ، فإنه أدخل في الإخلاص ، وأبعد من الرياء ، وأقرب إلى الخلاص ، عن لوم الناس على طلب الولد في زمان الشيخوخة . قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي أي ضعف بدني ، وإنما أسند الضعف إلى العظم لأنه دعامة الجسد ، فإذا ضعف كان غيره أضعف . وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ، أي أخذ رأسي شمطا ، وقد صار مثل شواظ النار . وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( 4 ) أي ولم أكن بدعائي إياك يا رب خائبا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل ، بل كلما دعوتك استجبت لي وقد توسّل سيدنا زكريا عليه السلام ، بما سلف منه من الاستجابة عند كل دعوة بعد ذكر ما يتسبب للرأفة من كبر السن ، وضعف الحال . وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ ، أي الذين يخلفونني في السياسة ، وفي القيام بأمر الدين . مِنْ وَرائِي ، أي بعد موتي ، وهم بنو عمه عليه السلام ، وكانوا أشرار بني إسرائيل ، فخاف عليه السلام أن لا يحسنوا خلافته في أمته ، ويبدّلوا عليهم دينهم ، وقوله : مِنْ وَرائِي متعلق بمحذوف أي فعل الموالي ، أو جور الموالي لا ب « خفت » لفساد المعنى . وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي لا تلد من حين شبابها . فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ، أي أعطني من محض فضلك الواسع ، وقدرتك الباهرة . وَلِيًّا ( 5 ) أي ولدا من صلبي . يَرِثُنِي ، من حيث العلم والدين والنبوة . وَيَرِثُ الملك . مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ، بن إسحاق ، بن إبراهيم عليه السلام ، لأن زوجة زكريا هي أخت مريم ، وكانت من ولد سليمان بن داود ، من ولد يهوذ بن يعقوب . أما زكريا فهو من ولد هارون أخي موسى ، وهما من ولد لاوى بن يعقوب بن إسحاق .