الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
4
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
وقرأ أبو عمرو والكسائي « يرث » في الكلمتين بالجزم على جواب الأمر ، والباقون بالرفع على أنه صفة . وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 ) أي مرضيا عندك قولا وفعلا . قال تعالى بواسطة الملك جبريل : يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ، أي ولد يرث العلم والنبوة في حياتك فإنه قتل قبل موت أبيه اسْمُهُ يَحْيى لإحيائه رحم أمه بعد موته بالعقم . لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) ، أي شريكا له في الاسم حيث لم يكن قبل يحيى أحد يسمّى بيحيى ، وقيل : أي شبيها في الفضل والكمال ، فإنه لم يعص ولم يهم بمعصية من حال الصغر ، وأنه صار سيّد الشهداء على الإطلاق . قالَ زكريا : رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ أي من أين يكون لي ولد ، وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي والحال أنه قد صارت امرأتي لم تلد قط ، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) ، أي يبوسا . وقرأ أبي ابن كعب وابن عباس « عسيا » بالسين غير المعجمة قالَ أي اللّه تعالى : كَذلِكَ أي الأمر ، ذلك الوعد ، من خلق غلام منكما وأنتما على حالكما ، قالَ رَبُّكَ هُوَ ، أي خلق يحيى منكما على حالتكما ، عَلَيَّ خاصة هَيِّنٌ ، وإن كان في العادة مستحيلا . وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 ) أي وقد أوجدتك يا زكريا من قبل يحيى ، والحال أنك إذ ذاك عدم بحت . وقرأ حمزة والكسائي « خلقناك » . قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ، أي علامة تدلني على حصول حبل امرأتي قالَ أي اللّه تعالى : آيَتُكَ على تحقق المسؤول أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ، أي أن لا تقدر على أن تكلم الناس ثَلاثَ لَيالٍ مع أيامهن ، سَوِيًّا ( 10 ) ، أي حال كونك سليم الجوارح ، لم يحدث بك مرض ولا خرس . فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ ، أي من المصلى ، وهم اجتمعوا ينتظرون فتح الباب ليصلّوا فيه بإذنه على العادة ، فخرج إليهم للإذن وهو لا يتكلم ، متغيرا لونه فأنكروه ، فقالوا : ما لك يا نبي اللّه فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أي أشار إليهم ، أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 ) ، أي صلوا صلاة الفجر ، وصلاة العصر . قال اللّه تعالى ليحيى بعد ما بلغ : يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ ، أي اعمل بما في التوراة بجدّ ، وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ أي الفهم في التوراة والفقه في الدين . صَبِيًّا ( 12 ) ، أي في صغره . وعن بعض السلف من قرأ القرآن قبل أن يبلغ ، فهو ممن « أوتي الحكم صبيا » . روي أنه عليه السلام دعاه الصبيان إلى اللعب فقال : ما للعب خلقنا . وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً ، أي وأعطينا تعظيما من عندنا على يحيى ، حيث جعلناه نبيا وهو صغير ، وتشريفا له . ويقال : وأعطينا يحيى رحمة من لدنّا على زكريا وتزكية له ، عن أن يصير مردود الدعاء . ويقال : وأعطينا يحيى تعطفا منا على أمته لعظم انتفاعهم بإرشاده ، وتوفيقا للتصدق عليهم ، وتطهيرا منا عن الالتفات لغيرنا ، وَكانَ تَقِيًّا ( 13 ) . بطبعه ، ومن جملة تقواه ، أنه كان يتقوّت