الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
11
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
غم » . « 1 » و « إذ » بدل من « يوم الحسرة » أو ظرف ل « الحسرة » ، و « يوم الحسرة » مفعول به ، أي خوفهم نفس ذلك اليوم . وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 39 ) ، أي أنذرهم في حال كونهم في جهلة عن ذلك اليوم ، وفي حال كونهم لا يصدقون به . إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها ، أي إنا لا ندع في الأرض شيئا من عاقل وغيره ونسلب جميع ما في أيديهم وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 ) أي وإلى حكمنا يردّون للجزاء ، وهذا تخويف عظيم للعصاة . وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ ، أي وأتل على كفار مكة قصة إبراهيم في هذه السورة ، فإنهم ينتسبون إليه عليه السلام ، فعساهم باستماع قصته يتركون ما هم فيه من القبائح . إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً أي يبلغ الصدق في أقواله ، وأفعاله وأحواله . نَبِيًّا ( 41 ) ، رفيع القدر عند اللّه ، وعند الناس ، فلا رفعة أعلى من رفعة من جعله اللّه واسطة بينه ، وبين عباده . إِذْ قالَ لِأَبِيهِ ، آزر ، متلطفا في الدعوة : يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ، ثناءك عليه ، وَلا يُبْصِرُ ، خشوعك بين يديه ، وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ( 42 ) ، أي ولا يقدر على أن يكفيك شيئا من جلب نفع ، أو دفع ضرّ . يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي ، من اللّه ، مِنَ الْعِلْمِ ، أي علم الوحي ، ما لَمْ يَأْتِكَ ، منه ، فَاتَّبِعْنِي ، بالتوجه إلى اللّه ، أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ( 43 ) ، أي طريقا موصلا إلى أسنى المطلب ، منجيا عن المعاطب . يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ، فإن عبادتك للأصنام عبادة له ، إذ هو الذي يزيّنها بوسوسته . إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ( 44 ) ، فطاعة العاصي عصيان ، والعصيان يوجب العذاب . يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ . إن لم تؤمن به ، فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 ) أي قرينا في العذاب . روي عن أبي هريرة أنه قال : قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أوحى اللّه إلى إبراهيم عليه السلام ، أنك خليلي ، فحسّن خلقك ، ولو مع الكفار ، تدخل مداخل الأبرار ، فإن كلمتي سبقت لمن حسّن خلقه ، أن أظلّه تحت عرشي . وأن أسكنه حظيرة قدسي ، وأن أدنيه من جواري » « 2 » . قالَ آزر : أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي ، أي أمعرض أنت عن آلهتي ! يا إِبْراهِيمُ ، أنكر آزر نفس الانصراف عن الأصنام مع نوع من التعجب ، كان الانصراف عنها مما لا يصدر من العاقل . لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ ، عن مقالتك هذه ، لَأَرْجُمَنَّكَ ، أي لأقتلنك ، أي لأظهرن ، أمرك للناس ليقتلوك ، وهذا تهديد عما كان إبراهيم عليه من العظة . وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 ) أي تباعد عني لكيلا أراك زمانا طويلا . قالَ
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب التفسير ، باب : قوله : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ، ومسلم في كتاب الجنّة ، باب : 4 ، والترمذي في كتاب التفسير ، تفسير سورة 19 ، باب : 2 ، والدارمي في كتاب الرقاق ، باب : في ذبح الموت ، وأحمد في ( م 2 / ص 377 ) . ( 2 ) رواه ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ( 2 : 155 ) ، والعجلوني في كشف الخفاء ( 1 : 308 ) ، وابن عدي في الكامل في الضعفاء ( 6 : 2432 ) .