الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

96

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

علمائهم - فجاء بهم إلى بابل ، فدخل عزير تلك القرية التي انهدمت حيطانها ، ونزل تحت شجرة وهو على حمار ، فربط حماره وطاف في القرية ، فلم ير فيها أحدا فعجب من ذلك وقال : أنى يحيي هذه اللّه بعد موتها - وذلك على سبيل الاستبعاد بحسب العادة لا على سبيل الشك في قدرة اللّه - وكانت الأشجار مثمرة فتناول من الفاكهة والتين والعنب وشرب من عصير العنب ، وجعل فضل الفاكهة في سلة ، وفضل العصير في زق ، ونام . فأماته اللّه تعالى في منامه مائة عام وهو شاب ، ثم أعمى عن موته أيضا الإنس والسباع والطير ، ثم أحياه اللّه تعالى بعد مائة ونودي من السماء يا عزير كم لبثت بعد الموت ؟ فقال : يوما ، فأبصر من الشمس بقية ، فقال : أو بعض يوم . فقال اللّه تعالى : بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ من التين والعنب وَشَرابِكَ من العصير لم يتغير طعمها فنظر فإذا التين والعنب كما شاهدهما ، ثم قال تعالى : وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله ، وسمع صوتا : « أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحا » ، فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض ، ثم التصق كل عضو بما يليق به إلى مكانه ثم جاء الرأس إلى مكانه ، ثم العصب والعروق ، ثم أنبت طراء اللحم عليه ، ثم انبسط الجلد عليه ، ثم خرجت الشعور من الجلد ، ثم نفخ فيه الروح فإذا هو قائم ينهق ، فخرّ عزير ساجدا وقال : أعلم أن اللّه على كل شيء قدير ، ثم إنه دخل بيت المقدس ، لما روي أنه لما مضى من وقت موته سبعون سنة سلط اللّه ملكا من ملوك فارس فسار بجنوده حتى أتى بيت المقدس فعمروه وصار أحسن مما كان ، ورد اللّه تعالى من بقي من بني إسرائيل إلى بيت المقدس ونواحيه ، فعمروها ثلاثين سنة ، وكثروا كأحسن ما كانوا ، وأعمى اللّه العيون عن العزير هذه المدة فلم يره أحد ، فلما مضت المائة أحيا اللّه تعالى منه عينيه وسائر جسده ميت ، ثم أحيا اللّه تعالى جسده وهو ينظر ، ثم نظر إلى حماره - كما سبق - فلما دخل بيت المقدس قال القوم : حدثنا آباؤنا أن عزير بن سروحا أو ابن شرخيا مات ببابل ، وقد كان بختنصر قتل في بيت المقدس أربعين ألفا ممن قرأ التوراة وكان فيهم عزير والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة ، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفا ، وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت عورضت بما أملاه ، فما اختلفا في حرف . فعند ذلك قالوا عزير ابن اللّه وَ ألم تر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ هذا دليل آخر على ولايته تعالى للمؤمنين وإخراجه لهم من الظلمات إلى النور رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى . قال الحسن والضحّاك وقتادة وعطاء وابن جريح : إنه رأى جيفة مطروحة في شط النهر فإذا مدّ البحر أكل منها دواب البحر ، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت ، وإذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت . فقال إبراهيم : رب أرني كيف تجمع أجزاء الحيوان من بطوع السباع والطيور ودواب البحر قالَ تعالى : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ أي أتسأل ولم توقن بقدرتي عن الإحياء قالَ بَلى أنا موقن بذلك وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي ولكن سألت ما سألت لتسكن حرارة قلبي ،