الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

108

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

الرحمة الإلهية لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين . وإن قلنا : إن هذا من كلام اللّه تعالى فوجه النظم أنهم لما قالوا : سمعنا وأطعنا ، ثم قالوا بعده : غفرانك ربنا ، دل ذلك على أن قولهم : غفرانك ، طلب للمغفرة مما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد ، فلما كان قولهم غفرانك طلبا للمغفرة من ذلك التقصير فلا شك في أن اللّه تعالى خفف عنهم ذلك وقال : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها . والمعنى أنكم إذا سمعتم وأطعتم ولم تتعمدوا التقصير ، فلو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه فإن اللّه تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها . وبالجملة فهذا إجابة لهم من اللّه في دعائهم بقولهم غفرانك ربنا ، اه . رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا أي يا ربنا لا تعاقبنا إِنْ نَسِينا طاعتك أَوْ أَخْطَأْنا في أمرك رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً أي تكليفا بالأمور الشاقة . كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا من بني إسرائيل أي لا تشدد علينا في التكاليف كما شددت على من قبلنا من اليهود . قال المفسرون : إن اللّه تعالى فرض عليهم خمسين صلاة في اليوم والليلة ، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة . ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها . وكانوا إذا نسوا شيئا عجلت لهم العقوبة في الدنيا ، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام بعض ما كان حلالا لهم رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ أي قوة لَنا بِهِ من البلاء والعقوبة . أي ولا تحمل علينا أيضا ما لا راحة لنا فيه من الاستكراه . وَاعْفُ عَنَّا أي امح آثار ذنوبنا وَاغْفِرْ لَنا أي استر عيوبنا ولا تفضحنا بين عبادك . وَارْحَمْنا أي تعطّف بنا وتفضّل علينا . أَنْتَ مَوْلانا أي أنت سيدنا وناصرنا ونحن عبيدك ويقال : واعف عنا من المسخ كما مسخت قوم عيسى واغفر لنا من الخسف كما خسفت بقارون ، وارحمنا من القذف كما قذفت قوم لوط . فلما دعوا بهذا الدعاء رفع اللّه عنهم ذنوب حديث النفس والنسيان والخطأ والاستكراه وعفا عنهم من الخسف والمسخ والقذف . فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 286 ) أي انصرنا عليهم في محاربتنا معهم ، وفي مناظرتنا بالحجة معهم ، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم . ولما مدح اللّه تعالى المتقين في أول السورة بيّن في آخر السورة أنهم أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وهذا هو المراد بقوله تعالى هناك : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ثم قال هاهنا : وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا هو المراد بقوله تعالى هناك : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ثم قال هاهنا : غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ وهو المراد بقوله تعالى هناك : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ثم حكى اللّه تعالى عنهم هاهنا كيفية تضرعهم إلى ربهم في قولهم : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا إلى آخر السورة وهو المراد بقوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * فانظر كيف حصلت الموافقة بين أول السورة وآخرها .