صديق الحسيني القنوجي البخاري

92

فتح البيان في مقاصد القرآن

والاستغفار ونحو ذلك ، ولا تقصروا ذكره على حالة الصلاة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لكي تفوزوا بخيري الدارين وتظفروا بهما . وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها سبب نزول هذه الآية أنه كان بأهل المدينة فاقة وحاجة ، فأقبلت عير الشام ، وضرب لقدومها الطبل ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا في المسجد كما سيجيء ، قال قتادة : بلغنا أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات ، كل مرة تقدم العير من الشام ، ويوافق قدومها يوم الجمعة وقت الخطبة ، وقيل ضربه أهل المدينة على العادة في أنهم كانوا يستقبلونها بالطبل والتصفيق ، أو ضربه أهل القادم بها أقوال ثلاثة حكاها الخطيب . ومعنى انفضوا تفرقوا خارجين إليها ، وقال المبرد : مالوا إليها والضمير للتجارة وخصت بإرجاع الضمير إليها دون اللهو ، لأنها كانت أهم عندهم ، وقيل : التقدير وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه ، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه ، وقيل : إنه اقتصر على ضمير التجارة لأن الانفضاض إليها إذا كان مذموما مع الحاجة إليها فكيف بالانفضاض إلى اللهو ؟ وقيل غير ذلك . وَتَرَكُوكَ في الخطبة قائِماً على المنبر ، أخرج البخاري ومسلم وغيرهما . عن جابر بن عبد اللّه قال : « بينما النبي صلى اللّه عليه وسلم ، يخطب يوم الجمعة قائما إذ قدمت عير المدينة فابتدرها أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، حتى لم يبقى منهم إلا اثنا عشر رجلا أنا فيهم وأبو بكر وعمر ، فأنزل اللّه : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً إلى آخر السورة » « 1 » ، « وعن ابن عباس في الآية قال : جاءت عير عبد الرحمن بن عوف تحمل الطعام فخرجوا من الجمعة بعضهم يريد أن يشتري ، وبعضهم يريد أن ينظر إلى دحية بن خليفة الكلبي ، وتركوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائما على المنبر ، وبقي في المسجد اثنا عشر رجلا ، وسبع نسوة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لو خرج كلهم لاضطرم عليهم المسجد نارا » أخرجه عبد بن حميد . وفي الباب روايات متضمنة لهذا المعنى ، عن جماعة من الصحابة وغيرهم ، والذي سوغ لهم الخروج وترك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخطب أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز لانقضاء المقصود وهو الصلاة ، لأنه كان صلى اللّه عليه وسلم أول الإسلام يصلي الجمعة قبل الخطبة كالعيدين ، فلما وقعت هذه الوقعة ، ونزلت الآية قدم الخطبة وأخر الصلاة . وعن ابن عمر قال : « كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يخطب خطبتين يقعد بينهما » « 2 » أخرجه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في البيوع باب 11 ، وتفسير سورة 62 ، باب 2 ، ومسلم في الجمعة حديث 38 ، والترمذي في تفسير سورة 62 ، باب 2 ، وأحمد في المسند 1 / 235 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الجمعة باب 30 ، ومسلم في الجمعة حديث 34 ، والترمذي في الجمعة -