صديق الحسيني القنوجي البخاري

87

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 6 إلى 11 ] قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 6 ) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 7 ) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 9 ) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 10 ) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 11 ) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا المراد بهم الذين تهودوا وتدينوا باليهودية ، وهي ملة موسى عليه السلام ، وذلك أن اليهود ادعوا الفضيلة على الناس ، وقالوا : إنهم أولياء اللّه من دونهم ، كما في قولهم : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] قولهم : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً [ البقرة : 111 ] ، فأمر اللّه سبحانه رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يقول لهم لما ادعوا هذه الدعوى الباطلة ؛ إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ والولي يؤثر الآخرة ومبدأها وطريقها الموت . فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ لتصيروا إلى ما تصيرون إليه من الكرامة في زعمكم ، قرأ الجمهور بضم الواو وقرىء بفتحها تخفيفا ، وحكى الكسائي : إبدال الواو همزة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في هذا الزعم فإن من علم أنه من أهل الجنة أحب الخلوص من هذه الدار ثم أخبر سبحانه بما سيكون منهم في المستقبل من أنهم لا يفعلون ذلك أبدا بسبب ذنوبهم ، فقال : وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي بسبب ما عملوا من الكفر والمعاصي ، الموجبة لدخول النار والتحريف والتبديل ، قال الزمخشري : ولا فرق بين لا ولن في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل ، إلا أن في لن تأكيدا وتشديدا ليس في لا فأتى مرة بلفظ التأكيد في وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ [ البقرة : 95 ] ، ومرة بغير لفظه في وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ قال أبو حيان : وهذا رجوع منه عن مذهبه وهو أن لن تقتضي النفي على التأبيد إلى مذهب الجماعة ، وهو أنها لا تقتضيه ، قلت : ليس فيه رجوع ، غاية ما فيه أنه سكت عنه ، وتشريكه بين لا ولن في نفي المستقبل لا ينفي اختصاص لن يمعنى آخر . وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ يعني على العموم ، وهؤلاء اليهود داخلون فيهم دخولا أوليا ، ثم أمر اللّه سبحانه رسوله أن يقول لهم : إن الفرار من الموت لا ينجيهم ، وأنه نازل بهم فقال : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ لا محالة ، ونازل بكم بلا شك ،